في شتاء عام 1959، وقعت واحدة من أكثر الحوادث غموضاً ورعباً في القرن العشرين. حادثة لم يجد لها العلم ولا التحقيقات الجنائية تفسيراً قاطعاً حتى يومنا هذا. إنها “حادثة ممر دياتلوف”، حيث انطلق تسعة من الرحالة الروس المحترفين في رحلة تزلج عبر جبال الأورال، لكنهم لم يعودوا أبداً. في قسم “غرائب وغموض” على موقع “أصل الحكاية”، نأخذكم في رحلة إلى الجليد القاتل لنكشف تفاصيل هذا اللغز الذي تحدى المنطق.
بداية الرحلة: ذهبوا ولم يعودوا
بدأت القصة في أواخر يناير 1959، عندما قاد إيغور دياتلوف (Igor Dyatlov)، وهو طالب هندسة يبلغ من العمر 23 عاماً، فريقاً مكوناً من ثمانية طلاب آخرين وخريج واحد من معهد الأورال للفنون التطبيقية. كان الفريق يمتلك خبرة واسعة في التزلج وتسلق الجبال. كانت خطتهم هي الوصول إلى جبل “أوتورتين” (Otorten)، والذي يعني بلغة قبائل المانسي المحلية “لا تذهب إلى هناك”.
كان من المفترض أن يرسل دياتلوف برقية بمجرد عودتهم لبلدة “فيزهاي” في 12 فبراير، ولكن مرت الأيام ولم تصل أي رسالة. ومع تزايد قلق الأهالي، انطلقت فرق البحث والإنقاذ لتمشيط الجبال البيضاء.
مشهد الرعب: ماذا وجد فريق البحث؟
في 26 فبراير، عثر فريق البحث على خيمة الرحالة مهجورة على منحدر جبل يُعرف باسم “خولات سياخل” (الجبل الميت). كان المشهد داخل وحول الخيمة يبعث على القشعريرة:
- خيمة ممزقة من الداخل: وُجدت الخيمة مقطوعة من الداخل بشفرات حادة، مما يدل على أن الرحالة كانوا في حالة ذعر شديد وحاولوا الهروب بأي ثريقة، لدرجة أنهم لم يفتحوا سحاب الخيمة بل مزقوها ليخرجوا.
- الهروب حفاة في الثلج: كانت متعلقاتهم الشخصية، بما في ذلك أحذيتهم وملابسهم الشتوية الثقيلة، لا تزال داخل الخيمة. تتبعت فرق البحث آثار أقدام الرحالة في الثلج، ووجدوا أن بعضهم كان حافي القدمين، وبعضهم يرتدي جورباً واحداً، في درجة حرارة تقارب 30 درجة مئوية تحت الصفر!
تفاصيل مرعبة زادت من تعقيد اللغز
بعد تتبع الآثار لمسافة تقارب الكيلومتر ونصف نحو حافة الغابة، بدأت فرق البحث في العثور على الجثث. وهنا، تحولت الحادثة من مجرد مأساة تجمد إلى لغز جنائي معقد:
1. الجثث الأولى حول النار
عُثر على جثتين تحت شجرة صنوبر ضخمة بجوار بقايا نار صغيرة. كانا يرتديان ملابس داخلية فقط، ووجدت آثار دماء وقطع على أيديهم، وكأنهم كانوا يحاولون تسلق الشجرة بشكل هستيري هرباً من شيء ما على الأرض.
2. محاولة العودة للخيمة
عُثر على ثلاث جثث أخرى، من بينها قائد الفريق دياتلوف، متناثرة في المسافة بين الشجرة والخيمة. كانت وضعياتهم تشير إلى أنهم كانوا يحاولون الزحف للعودة إلى الخيمة، لكن التجمد نال منهم.
3. إصابات غير مبررة وإشعاع غامض
استغرق الأمر شهرين للعثور على الجثث الأربعة المتبقية تحت طبقة سميكة من الثلج في وادٍ قريب. كانت حالتهم هي الأكثر رعباً:
- أحدهم كان يعاني من كسر مدمر في الجمجمة.
- اثنان كانا يعانيان من كسور ضخمة في القفص الصدري، وقال الطبيب الشرعي إن القوة المطلوبة لإحداث هذه الكسور تعادل قوة اصطدام سيارة مسرعة، لكن الغريب أنه لم تكن هناك أي جروح خارجية على الجلد!
- إحدى الفتيات وُجدت مفقودة اللسان والعينين.
- والأكثر غرابة، أن اختبارات الملابس أظهرت وجود مستويات عالية من الإشعاع النووي على ملابس بعض الضحايا.
النظريات: محاولات لفك طلاسم “ممر دياتلوف”
أغلق المحققون السوفييت القضية في عام 1959 وصرحوا بأن سبب الوفاة هو “قوة طبيعية قاهرة”، وتم تشميع الملفات بالسرية. ولكن هذا التكتم فتح الباب أمام العديد من النظريات:
- الانهيار الجليدي المكتوم: هي النظرية الأكثر قبولاً علمياً اليوم. يُعتقد أن كتلة صلبة من الجليد انزلقت فجأة فوق الخيمة (Slab Avalanche)، مما أصاب الرحالة بالذعر ودفعهم لتمزيق الخيمة والهرب في الظلام ظناً منهم أن انهياراً كبيراً سيحدث.
- تجارب عسكرية سرية: بسبب وجود الإشعاع النووي على الملابس، وشهادات لرحالة آخرين كانوا في منطقة قريبة زعموا رؤية “كرات نارية برتقالية” مضيئة في السماء في نفس ليلة الحادثة، يعتقد الكثيرون أن الرحالة كانوا ضحية لتجربة سلاح سوفييتي سري.
- الموجات الصوتية القاتلة: تقترح نظرية حديثة أن الرياح الشديدة التي ضربت تضاريس الجبل خلقت “موجات تحت صوتية” (Infrasound)، وهي موجات لا تسمعها الأذن البشرية ولكنها تسبب نوبات من الذعر والهلع غير المبرر، مما دفعهم للهروب للموت.
اللغز الذي يرفض الموت
في عام 2020، أعادت السلطات الروسية فتح التحقيق، وخلصت رسمياً إلى أن انهياراً جليدياً كان السبب الرئيسي للحادث. ورغم هذا التفسير الرسمي، لا يزال عشاق الغموض حول العالم يرفضونه، مبررين ذلك بأن الانهيار الجليدي لا يفسر الإشعاع، ولا يفسر نزع لسان الضحية، ولا القوة الهائلة التي حطمت ضلوعهم من الداخل. سيظل ممر دياتلوف، والذي سُمي بهذا الاسم تخليداً لذكرى قائد الفريق، واحداً من أعمق الأسرار التي يحتفظ بها الجليد السيبيري البارد