في سماء الليل المظلمة والباردة فوق أحد الأودية الهادئة في النرويج، تظهر فجأة كرات ضوئية ضخمة وملونة. تسبح في الهواء، تتوقف لثوانٍ، ثم تنطلق بسرعات تفوق سرعة أحدث الطائرات الحربية وتختفي بلا أثر. هل هو مشهد من فيلم خيال علمي؟ لا، إنها ظاهرة حقيقية وموثقة علمياً تُعرف باسم “أضواء هيسدالن” (Hessdalen Lights). في قسم “غرائب وغموض” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح ملف هذه الظاهرة التي قلبت موازين الفيزياء الحديثة، وجعلت العلماء يقفون جنباً إلى جنب مع صائدي الأطباق الطائرة في محاولة لفهم ما يحدث حقاً في سماء النرويج.
وادي هيسدالن: مسرح الظاهرة الأكثر غموضاً في سماء أوروبا
يقع وادي هيسدالن في وسط النرويج، وهو وادٍ صغير يمتد لحوالي 15 كيلومتراً، ولا يتجاوز عدد سكانه بضع مئات. بدأت التقارير حول رؤية أضواء غريبة في سماء الوادي منذ ثلاثينيات القرن العشرين، ولكن الظاهرة وصلت إلى ذروتها بشكل مرعب بين عامي 1981 و1984.
في تلك الفترة، أصبحت الأضواء تظهر بكثافة جنونية، حيث تم رصدها بمعدل يصل إلى 20 مرة في الأسبوع الواحد! تحول الوادي الهادئ فجأة إلى محط أنظار العالم، وتوافد عليه الآلاف من السياح، والصحفيين، ومحبي الظواهر الخارقة على أمل التقاط صورة لهذه الأضواء الساحرة.
كيف تبدو هذه الأضواء؟ وهل رآها أحد عن قرب؟
وصف الشهود العيان، والذين كان من بينهم ضباط شرطة وطيارون محترفون، أضواء هيسدالن بأنها تختلف تماماً عن أي ظاهرة طبيعية معروفة (مثل الشفق القطبي أو الشهب). وتتميز هذه الأضواء بخصائص محيرة:
- الألوان والأشكال: تظهر الأضواء غالباً باللون الأبيض الساطع، أو الأصفر، أو الأحمر. وتتخذ أشكالاً متعددة؛ إما كرات مثالية الاستدارة، أو أشكالاً بيضاوية تشبه رصاصة ضخمة.
- الحركة المستحيلة: بعض الأضواء تتحرك ببطء شديد وبشكل أفقي، وبعضها يتوقف في مكانه في السماء لمدة تصل إلى ساعتين، بينما ينطلق البعض الآخر بسرعات رادارية تم تسجيلها لتصل إلى 30,000 كيلومتر في الساعة، وهي سرعة كفيلة بتحطيم أي مركبة من صنع البشر بسبب الاحتكاك بالغلاف الجوي!
- الحجم المتغير: يمكن أن تكون الأضواء بحجم سيارة صغيرة، وفي بعض الأحيان تتضخم لتصبح بحجم ملعب كرة قدم يضيء الوادي بأكمله كأنه في وضح النهار.
من الأساطير إلى الصحافة: هل هي مركبات فضائية؟
مع هذا السلوك “الذكي” للأضواء وقدرتها على التوقف والانطلاق وتغيير مسارها، اجتاحت العالم نظريات الكائنات الفضائية والأطباق الطائرة (UFOs). اعتقد الكثيرون أن وادي هيسدالن هو عبارة عن قاعدة سرية لمركبات فضائية تراقب الأرض، أو أنها بوابة لأبعاد أخرى. وما زاد الطين بلة هو أن الأضواء كانت تظهر أحياناً استجابةً لتسليط أضواء الليزر عليها من قبل المشاهدين، وكأنها تتواصل معهم!
مشروع هيسدالن: عندما يتدخل العلم لفك الشفرة
في عام 1983، ومع تزايد الهوس بالظاهرة، قرر مجموعة من العلماء النرويجيين والسويديين وضع حد لهذه التكهنات من خلال إطلاق “مشروع هيسدالن”. تم تجهيز الوادي بكاميرات حساسة للضوء، أجهزة رادار متطورة، أجهزة تحليل طيفي، ومقاييس للمغناطيسية والزلازل.
كانت المفاجأة الأولى التي صدمت العلماء هي: الأضواء حقيقية تماماً وليست أوهاماً بصرية. لقد التقطت الرادارات أجساماً صلبة تتحرك في السماء، وسجلت الكاميرات صوراً مذهلة لها. بل إن بعض الأضواء ظهرت على شاشات الرادار ولم تكن مرئية بالعين المجردة!
أصل الحكاية: النظريات العلمية لتفسير اللغز
بعد عقود من المراقبة والتحليل المستمر، ورغم عدم وجود إجابة واحدة قاطعة بنسبة 100%، توصل العلماء إلى مجموعة من النظريات الفيزيائية والكيميائية العبقرية التي قد تفسر لغز أضواء هيسدالن:
1. نظرية البطارية الطبيعية العملاقة
تُعد هذه النظرية الأكثر قبولاً اليوم. اكتشف الجيولوجيون أن جانبي وادي هيسدالن يتكونان من صخور مختلفة تماماً؛ أحد الجانبين غني بمعدن النحاس، والجانب الآخر غني بالزنك والحديد. ويمر في منتصف الوادي نهر يحتوي على مياه غنية بحمض الكبريتيك (بسبب منجم كبريت قديم). هذه المكونات (نحاس، زنك، حمض) هي بالضبط مكونات أي بطارية كهربائية! يعتقد العلماء أن الوادي بأكمله يعمل كـ “بطارية طبيعية عملاقة”، وعندما تتفاعل هذه العناصر مع الغلاف الجوي، تطلق شرارات ضخمة من الطاقة الكهرومغناطيسية تتشكل في صورة كرات مضيئة من البلازما.
2. البلازما والغبار الكوني
تقترح نظرية أخرى أن غاز الرادون المشع، الذي يتسرب من باطن الأرض في تلك المنطقة الجبلية، يلتصق بجزيئات الغبار في الهواء. وعندما تتراكم هذه الجزيئات وتتعرض لاحتكاك الرياح، تشتعل وتشكل كرات من “البلازما” (الحالة الرابعة للمادة)، وهي كرات يمكنها التمدد والانكماش والحركة السريعة استجابةً للمجالات المغناطيسية للأرض.
3. احتراق غاز السكانديوم
أظهر التحليل الطيفي لبعض صور الأضواء وجود آثار لعناصر كيميائية مثل الحديد، التيتانيوم، والسكانديوم. يعتقد بعض الكيميائيين أن غازات هذه المعادن تتسرب من شقوق الأرض، وعندما تتفاعل مع الأكسجين في الهواء، تشتعل فجأة وتخلق هذه الكرات الضوئية الملونة.
حتى يومنا هذا، لا تزال محطة الأبحاث الآلية في وادي هيسدالن تعمل على مدار الساعة، تلتقط الصور وتسجل البيانات. ورغم التطور التكنولوجي، لا تزال الطبيعة قادرة على إدهاشنا بظواهر تتحدى كل ما نعرفه عن الفيزياء والكيمياء. في “أصل الحكاية”، نرى أن أضواء هيسدالن تذكرنا بأننا لا نحتاج للبحث في الفضاء الخارجي عن معجزات وألغاز، فكوكب الأرض نفسه لا يزال يخفي في جعبته الكثير من الأسرار المضيئة التي تنتظر من يكتشفها.