في قاموس “الفهلوة” المصرية، هناك جمل وتعبيرات تشرح الموقف بكلمتين فقط. إذا رأيت شخصاً يتجاهل مشكلة أمامه وكأنه لا يراها، أو يتهرب من دفع الحساب في المقهى بمهارة، فإنك تبتسم وتقول فوراً: “يا عم ده عامل من بنها!”.
هذا التعبير العبقري نستخدمه يومياً، ولكن هل سألت نفسك يوماً: ما علاقة مدينة “بنها” الهادئة بمحافظة القليوبية، بصفات التجاهل أو الاستعباط؟ لماذا لم نقل مثلاً “عامل من طنطا” أو “عامل من أسيوط”؟
في قسم “أسئلة وحقائق” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح أرشيف السكة الحديدية المصرية في بدايات القرن العشرين، لنكشف لكم أن هذه المقولة لم تُظلم فيها مدينة بنها، بل وُلدت من رحم “حيلة ذكية” كان يمارسها الركاب للهروب من الوقوف في القطارات المزدحمة!
المحطة الفاصلة: مفتاح الوجه البحري
لفهم القصة، يجب أن ننظر إلى خريطة السكك الحديدية في مصر. محطة قطار “بنها” تُعتبر تاريخياً هي المحطة المركزية الأولى والأهم بعد الخروج من العاصمة “القاهرة” في اتجاه الوجه البحري (الإسكندرية، والدلتا). بمعنى آخر، أي قطار يخرج من محطة رمسيس بالقاهرة متجهاً للشمال، كانت أول محطة رئيسية يتوقف فيها هي “بنها”، والمسافة بين القاهرة وبنها لا تتجاوز الـ 45 دقيقة تقريباً.
لعبة الكراسي الموسيقية في قطار الدرجة الثالثة
في الماضي (وحتى وقت قريب)، كانت قطارات الدرجة الثالثة والثانية تعاني من زحام خانق، ولا يوجد بها نظام “حجز المقاعد المسبق”. من يدخل أولاً يجلس، ومن يتأخر يظل واقفاً طوال الرحلة التي قد تمتد لساعات حتى الإسكندرية أو المنصورة.
هنا ظهرت “الفهلوة المصرية”. كان الركاب الذين لم يجدوا مقعداً يقفون في الممرات، وبدلاً من الاستسلام للوقوف، كانوا يبحثون عن الركاب الجالسين ويسألونهم بلطف: “حضرتك نازل فين؟”. فإذا كان الراكب الجالس متجهاً إلى آخر الخط، كان الراكب الواقف يستخدم الحيلة الذهبية؛ ينظر إليه بمسكنة ويقول له: “طب معلش يا بيه، ممكن أقعد مكانك أريح رجلي شوية.. أنا كدة كدة (من بنها) ونازل المحطة الجاية على طول!”.
الخديعة الكبرى: النوم العميق بعد المحطة
تعاطفاً مع قصر المسافة (45 دقيقة فقط)، كان الراكب الجالس ينهض من مكانه بشهامة، ويترك مقعده للرجل “الذي من بنها”. ويصل القطار إلى محطة بنها، ويقف، ثم يتحرك مجدداً.. وهنا تقع الكارثة الكوميدية! يكتشف الراكب الشهم أن الرجل الذي ادعى أنه من بنها لم ينزل من القطار، بل التصق بالكرسي، ووضع قبعته على عينيه، وغط في نوم عميق، أو بدأ ينظر من النافذة وكأنه لا يعرف أحداً، متجاهلاً تماماً وعوده السابقة!
عندما كان الراكب الأصلي يذهب لمعاتبته أو إيقاظه، كان المتهرب يمثل “الاستعباط التام” ويرفض القيام. ومن هنا، بدأ الركاب يتداولون هذه الحيلة للتحذير، وأصبحوا يقولون لبعضهم: “خلي بالك، ده مش هينزل، ده بس (عامل نفسه من بنها) عشان ياخد الكرسي!”.
في “أصل الحكاية”، نكتشف أن اللغة العامية المصرية هي أعظم آلة تسجيل للتاريخ الاجتماعي. مقولة “عامل من بنها” لم تكن إهانة لأهل هذه المدينة الطيبة الذين يُعرفون بكرمهم (بنها العسل)، بل كانت مجرد تكتيك “بقاء” لركاب القطارات المزدحمة، تحول بمرور الزمن إلى أيقونة لغوية تعبر عن فن التجاهل والهروب من المسؤولية بابتسامة بريئة!