في عام 1881، وعند اكتشاف خبيئة المومياوات الملكية بالدير البحري، وجد علماء الآثار أنفسهم أمام مشهد أوقف الدم في عروقهم. وسط التوابيت الذهبية والملوك الملفوفين بالكتان الأبيض الناصع، كان هناك تابوت خشبي بسيط وغير مزخرف، بداخله جثة لا تشبه أي مومياء أخرى.
جسد مقيد اليدين والقدمين، ملفوف بطريقة مهينة في “جلد ماعز”، والأكثر رعباً.. فم المومياء كان مفتوحاً على آخره في صرخة صامتة تقشعر لها الأبدان، وكأن صاحبها مات وهو يتعرض لتعذيب وحشي. أطلقوا عليها فوراً اسم “المومياء الصارخة” أو “الرجل المجهول إي” (Unknown Man E).
في قسم “قصص حقيقية” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح أول ملف تحقيق جنائي في التاريخ. كيف تجمعت خيوط مؤامرة اغتيال سياسي عمرها 3000 عام؟ وكيف نجح الطب الشرعي الحديث في إجبار المومياء الصارخة على التحدث أخيراً؟
المؤامرة في كواليس القصر الملكي
لنفهم القصة، يجب أن نعود لعهد الملك “رمسيس الثالث”، آخر الفراعنة المحاربين العظام. رغم انتصاراته، كانت نهايته مأساوية. دُبرت ضده مؤامرة دنيئة عُرفت في التاريخ بـ “مؤامرة الحريم”. لم تأتِ الخيانة من الأعداء، بل من فراشه! إحدى زوجاته الثانويات، وتُدعى “تي”، قررت التخلص منه لكي تضع ابنها الشاب، الأمير “بنتاؤر”، على عرش مصر بدلاً من ولي العهد الشرعي. استعانت الزوجة الطموحة ببعض قادة الحرس الملكي والسحرة داخل القصر لتنفيذ الاغتيال.
ظلت أوراق البردي القديمة (بردية تورين القضائية) تحكي عن محاكمة المتآمرين وإعدامهم، لكنها لم تذكر أبداً: هل نجحت المؤامرة ومات الملك أم نجا؟ وماذا كان مصير الابن الخائن؟
كشف السر العظيم: الأشعة المقطعية تفضح القتلة!
ظل هذا اللغز دفيناً حتى سنوات قليلة مضت، عندما قرر فريق من العلماء المصريين إدخال مومياء الملك “رمسيس الثالث”، ومومياء “الرجل الصارخ”، إلى جهاز الأشعة المقطعية (CT Scan). وما ظهر على الشاشات كان يفوق الخيال!
تحت اللفائف الكثيفة حول عنق رمسيس الثالث، والتي لم يجرؤ أحد على فكها، أظهرت الأشعة وجود “جرح قطعي مميت وسريع” في حلقه، وصل إلى العظام وقطع القصبة الهوائية بالكامل! لقد تم ذبح الفرعون من الخلف بسكين حاد في عملية اغتيال غادرة داخل قصره. المؤامرة نجحت إذن!
لكن.. من هو صاحب المومياء الصارخة؟
أخذ العلماء عينة من الحمض النووي (DNA) للمومياء الصارخة وقارنوها بحمض رمسيس الثالث المذبوح. وجاءت النتيجة لتكتب الفصل الأخير من الدراما: المومياء الصارخة هي لـ “الأمير بنتاؤر”، الابن الخائن الذي خطط لقتل أبيه!
لماذا دُفن بهذا الشكل المرعب؟ بعد ذبح الملك، تم القبض على المتآمرين ومحاكمتهم. ولأن “بنتاؤر” كان يحمل دماءً ملكية، لم يُعدم علناً، بل خُير بـ “الانتحار” شرفاً. تظهر التحاليل أنه أُجبر على تناول سم قاتل، وهو ما يفسر تشنج عضلات وجهه وفتح فمه في هذه الصرخة الأبدية لحظة خروج روحه.
أما الإهانة الكبرى، فكانت في طريقة دفنه. لم يُحنط بالطريقة الملكية، بل تُرك ليجف في ملح النطرون، ثم لُف بجلد الماعز (والذي كان يُعتبر في عقيدة الفراعنة جلداً نجساً وغير طاهر). كانوا يعاقبونه حتى في العالم الآخر، ليُحرم من دخول جنة الخلود، ويظل في عذاب أبدي محتفظاً بصرخته.
في “أصل الحكاية”، نتأمل كيف أن التاريخ، رغم طول السنين، لا ينسى ولا يغفر. “المومياء الصارخة” ليست مجرد جثة مشوهة، بل هي رسالة مرعبة تركها لنا الفراعنة؛ رسالة تقول إن خيانة الأب والوطن جريمة لا يطهرها الموت، وأن صرخة الخائن ستظل تدوي في متاحف العالم حتى بعد مرور 30 قرناً من الزمان.