هناك كوارث لا تترك لك وقتاً للصراخ، تضرب في كسر من الثانية لتحيل الحياة إلى كابوس، والمنازل إلى مقابر جماعية. في هذه اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت، تظهر قصص نجاة تتحدى كل قوانين الطب والفيزياء، وتثبت أن للإنسان إرادة جبارة، وأن الروح لا تستسلم حتى تنفد آخر ذرة أكسجين.
في قسم “قصص حقيقية” على موقع “أصل الحكاية”، نعود بالذاكرة إلى يوم حُفر بالدم والدموع في وجدان كل مصري. يوم الإثنين 12 أكتوبر 1992. اليوم الذي زلزلت فيه الأرض زلزالها، ونأخذكم إلى قلب “عمارة الموت” في حي مصر الجديدة، لنعيش لحظة بلحظة مع الشاب “أكرم”؛ الإنسان الذي دُفن حياً تحت آلاف الأطنان من الحديد والأسمنت، وعاش ليروي لنا كيف يبدو شكل الجحيم من الداخل!
الساعة 3:09 عصراً: عندما ابتلعت الأرض 14 طابقاً
كان يوماً خريفياً عادياً في القاهرة. الشوارع تضج بالحركة، والمدارس أخرجت طلابها، والبيوت تستعد لوجبة الغداء. في حي مصر الجديدة الراقي، وتحديداً في شارع ميدان الرُبيعي، كانت هناك عمارة سكنية فخمة مكونة من 14 طابقاً، تعج بالسكان الآمنين.
في الطابق الرابع، كان الشاب “أكرم” (26 عاماً) يجلس مع والدته وأخته، يتحدثون ويضحكون بسلام. وفجأة، في تمام الساعة 3:09 عصراً، سمعت القاهرة زئيراً مرعباً قادماً من باطن الأرض. اهتزت الجدران بعنف، وتساقطت التحف، وتعالت صرخات الرعب. لم تستمر الهزة الأرضية سوى 60 ثانية، ولكن بالنسبة لسكان تلك العمارة بالذات، كانت هذه الثواني هي نهاية العالم. بسبب عيوب هندسية كارثية في البناء، لم تصمد العمارة. انهار الطابق الأرضي، وفي مشهد مروع يشبه انهيار قطع الدومينو، تهاوت الطوابق الـ 14 فوق بعضها البعض (Pancaking) لتتحول العمارة الشاهقة في غمضة عين إلى تلة ضخمة من الركام والأنقاض، وتدفن تحتها العشرات من الأرواح.
النزول إلى الهاوية: قبر مساحته نصف متر!
عندما استيقظ أكرم من غيبوبة الاصطدام، لم يفهم أين هو! كان الظلام حالكاً كظلام القبور، والهواء ثقيلاً مشبعاً بتراب الأسمنت الخانق. حاول أن يحرك يده أو قدمه، فاكتشف الحقيقة المرعبة: هو ممدد على ظهره، وهناك سقف خرساني يزن مئات الأطنان يستقر على بعد سنتيمترات قليلة جداً من وجهه!
لقد سقطت جدران الطوابق العليا لتصنع بالصدفة البحتة “فجوة” صغيرة جداً، بالكاد تتسع لجسده، لتحميه من السحق التام. لكنه كان محبوساً في هذا التابوت الخرساني بلا أي منفذ للضوء أو الهواء المتجدد. حاول أكرم أن يصرخ: “يا أمي.. يا أختي”، لكن الإجابة كانت صمتاً يمزق طبلة الأذن. ومع مرور الساعات، بدأ يسمع أنات خافتة لأشخاص يلفظون أنفاسهم الأخيرة تحت الأنقاض، ثم ساد صمت الموت التام. لقد أدرك أنه وحيد، ومدفون حياً.
الجوع، العطش، وهلوسات الظلام الدامس
مرت الليلة الأولى كأنها دهر كامل. جسده يئن من الكدمات، وصدره يختنق بالغبار. وبحلول اليوم الثاني، بدأ وحش “العطش” ينهش في حلقه. لا توجد قطرة ماء واحدة، ودرجة الحرارة ترتفع تحت الركام بسبب انعدام التهوية.
في اليوم الثالث، بدأ عقل أكرم يدخل في مرحلة الهلوسة لحماية نفسه من الجنون. كان يتخيل أنه يسمع أصوات عائلته تناديه، ويرى أطيافاً تتحرك في الظلام. كان يغيب عن الوعي لساعات، ثم يستيقظ على كابوس أنه لا يزال مدفوناً. كان العطش قد وصل لمرحلة جعلت شفتيه تتشققان وتنزفان، لدرجة أنه اضطر إلى بلع ريقه الممزوج بالدماء والتراب فقط ليُبقي حنجرته رطبة. كان يصلي، ويقرأ ما يحفظه من القرآن، وينتظر الموت الذي بدا وكأنه تأخر كثيراً.
النبض الخافت: هل يسمعني أحد؟
فوق سطح الأرض، كانت الكارثة قد تصدرت نشرات الأخبار العالمية. وصلت فرق الإنقاذ المصرية، مدعومة بفرق فرنسية متخصصة في الكوارث واستشعار النبض تحت الأنقاض. كانوا يرفعون الكتل الخرسانية ببطء شديد وبحذر قاتل، لأن أي خطأ في الرفع قد يؤدي إلى انهيار ما تبقى من الفجوات وسحق أي أحياء تحتها.
بعد مرور أكثر من 70 ساعة، أعلنت السلطات فقدان الأمل في العثور على أي شخص حي. تم استخراج عشرات الجثث، وبدأت الجرافات الثقيلة تستعد لرفع الأنقاض لتنظيف الموقع.
ولكن، في أعماق الظلام، سمع أكرم صوتاً خافتاً جداً لآلات تقترب! جمع كل ما تبقى في جسده المنهك من طاقة، وأمسك بقطعة حجر صغيرة كانت بجواره، وبدأ “يطرق” بضعف شديد على السقف الخرساني الملاصق لوجهه. “طرقات متقطعة.. تك.. تك.. تك”.
شعاع النور العظيم: ولادة من رحم الخرسانة
أحد عمال الإنقاذ المصريين، والذي كان يقف فوق الأنقاض، أشار للجميع بالتوقف التام عن الحركة وإطفاء المحركات. وسط الصمت، التقطت أجهزة الاستشعار الفرنسية ذبذبات الطرق الخافتة!
هناك شخص حي تحت 14 طابقاً من الركام بعد 80 ساعة! بدأت ملحمة إنقاذ تحبس الأنفاس. استخدم المنقذون آلات حفر دقيقة جداً ومناشير لقطع الحديد الصلب دون إحداث اهتزازات. استغرق الحفر عدة ساعات، وأكرم في الأسفل يسمع أصواتهم تقترب، وقلبه يدق بجنون.
وأخيراً، انشقت الخرسانة، وتسرب شعاع نور مبهر، وهواء نقي لفح وجه أكرم لأول مرة منذ أربعة أيام. أدخل أحد المنقذين يده في الفتحة وصرخ: “أنت عايش يا بطل؟ إحنا معاك!”. في اللحظة التي تم فيها سحب جسد أكرم النحيل والمغطى بالتراب الأبيض إلى سطح الأرض، انفجر مئات الحاضرين من عمال وبوليس وأهالي في بكاء هستيري وهتافات “الله أكبر”. لقد كانت لقطة خلدتها كاميرات التلفزيون، لتصبح الصورة الأيقونية لزلزال 1992.
إرادة الحياة التي لا تُقهر
تم نقل أكرم إلى المستشفى، وعولج من الجفاف الشديد والصدمة الجسدية. ورغم أنه فقد عائلته في هذا الحادث الأليم، إلا أنه خرج من تحت الأنقاض ليصبح رمزاً للأمل في وقت كانت فيه مصر كلها تتشح بالسواد. في “أصل الحكاية”، نتوقف أمام هذه المعجزة لنؤمن بأن الأعمار بيد خالقها، وأنه مهما انطبقت السماء على الأرض، ومهما تآمرت قوانين الطبيعة لسحق إنسان، فإن هناك دائماً قوة خفية وتدبيراً إلهياً قادراً على انتشال الحياة من أعمق نقاط الموت، ليعلمنا أكرم أن الاستسلام هو الكارثة الحقيقية، أما التشبث بالأمل فهو طوق النجاة الوحيد.