تستيقظ في صباح أول أيام العيد، تتجه نحو طاولة الضيافة، وتلتقط قطعة دائرية مغطاة بالسكر البودرة، تذوب في فمك لتعلن رسمياً بدء الاحتفال. “كحك العيد”.. الأيقونة التي لا يكتمل العيد في مصر والوطن العربي بدونها. نحن نعتبره عادة إسلامية أصيلة ارتبطت بشهر الفطر، ولكن.. ماذا لو قلت لك إن هذه القطعة الدائرية اللذيذة كانت تُخبز في نفس البلد، وبنفس الشكل، قبل أن يُولد الإسلام بآلاف السنين؟
في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح أبواب المخابز الملكية القديمة لندرك أن المصريين لا ينسون عاداتهم أبداً، بل يقومون فقط بـ “تحديثها” لتناسب العصر! كيف انتقل الكحك من معابد الفراعنة إلى موائد الخلفاء الفاطميين؟
المخبز الفرعوني: الكحك كقربان لآلهة الشمس!
تبدأ الحكاية من جدران المعابد الفرعونية (تحديداً في مقابر طيبة ومنف). رسم المصريون القدماء تفاصيل دقيقة لنساء يقمن بعجن الدقيق مع العسل والسمن، وتشكيله على هيئة أقراص دائرية، ثم نقشه بخطوط مستقيمة متقاطعة.
لماذا هذا الشكل تحديداً؟ كان هذا القرص الدائري يرمز إلى “قرص الشمس” (الإله رع، ثم الإله آتون). وكانت هذه المخبوزات التي أطلقوا عليها اسم “رُوخات” تُقدم كقرابين للكهنة في الأعياد الدينية، وتُوضع مع الموتى في المقابر. لقد كانت النقوش التي نصنعها اليوم بـ “المنقاش” هي في الأصل أشعة الشمس المتفرقة التي تمنح الحياة للكون في عقيدة أجدادنا!
العبقرية الفاطمية: “كل واشكر” بالذهب!
مرت آلاف السنين، ودخل الإسلام مصر، ولكن عادة خبز “الرُوخات” لم تمت، بل ظلت حية في البيوت. وعندما دخلت الدولة الفاطمية مصر، أدرك الخلفاء الفاطميون بذكائهم السياسي أن أسرع طريق لقلوب المصريين يمر عبر “معدتهم” وعاداتهم المتوارثة.
قرر الفاطميون تحويل هذه العادة الشعبية الفرعونية إلى “مؤسسة حكومية” ضخمة! أنشأوا مصلحة حكومية كاملة أطلقوا عليها “دار الفطرة”، كانت مهمتها الوحيدة هي صناعة كحك العيد وتوزيعه مجاناً على الشعب. ولكي يعطوا الكحك طابعاً إسلامياً بدلاً من الطابع الفرعوني، أمروا بصناعة قوالب خشبية يُنحت عليها عبارات إسلامية مثل “كل واشكر” و”كل هنيئاً”.
مفاجأة الخليفة: كحك محشو بالدنانير!
أما المفاجأة التي جعلت المصريين يعشقون العيد في العصر الفاطمي، فهي أن الخليفة “العزيز بالله” أمر بصناعة كحك بحجم ضخم جداً، وفي قلب كل كحكة، بدلاً من حشوها بالعجمية أو المكسرات، أمر بوضع دينار من الذهب الخالص! كان الشعب يقف في طوابير طويلة يوم العيد للحصول على “كحك الخليفة”، ومن يجد الدينار الذهبي في كحكته كان يعتبر أن السماء قد فتحت له أبواب الرزق.
في “أصل الحكاية”، نكتشف أن “كحك العيد” ليس مجرد دقيق وسكر، بل هو “وثيقة تاريخية” قابلة للأكل. قرص شمس فرعوني، تبناه الفاطميون، ورش عليه العثمانيون السكر، وورثناه نحن لنأكله في صباح العيد. في المرة القادمة التي تمسك فيها بالمنقاش لتزيين الكحك، تذكر أنك تمارس طقساً مارسه أجدادك قبل 5000 عام لتقديس نور الشمس!