في العزومات الرمضانية، أو في ليالي الشتاء الباردة، لا يكتمل الدفء إلا بطبق ساخن من حلوى “أم علي”. رقائق من الخبز أو الجلاش، غارقة في الحليب الساخن والمكسرات، وقشرة ذهبية مقرمشة تفوح منها رائحة السمن البلدي. نأكلها بابتسامة ونتلذذ بطعمها الساحر، ولكن.. ماذا لو قلت لك إن هذا الطبق اللذيذ هو في الأصل “وليمة دموية” صُنعت خصيصاً للاحتفال بأبشع جريمة اغتيال في تاريخ القصور المصرية؟
في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نترك كتب الطبخ ونفتح دفاتر التاريخ المملوكي، لنكشف لكم السر المظلم الذي يختبئ في قاع طبق “أم علي”. من هي هذه السيدة؟ ولماذا قررت أن توزع الحلوى على الشعب المصري فوق جثة أعظم ملكات الشرق؟
المرأة الحديدية التي حكمت مصر
تبدأ الحكاية بامرأة استثنائية اسمها “شجرة الدر”. جارية فائقة الجمال والذكاء، تزوجت من السلطان الأيوبي “الصالح نجم الدين أيوب”. وعندما توفي زوجها أثناء الغزو الصليبي لمصر، أخفت خبر وفاته بعبقرية حتى لا ينهار الجيش، وقادت المعركة بنفسها حتى أسرت ملك فرنسا “لويس التاسع” في دار ابن لقمان بالمنصورة.
بفضل هذا الانتصار، نصّبها المماليك “سلطانة” على عرش مصر. ولكن، الخلافة العباسية في بغداد رفضت أن تحكم امرأة، وأرسلوا رسالة مهينة لمصر يقولون فيها: “إن كانت الرجال قد عُدمت عندكم، فأعلمونا حتى نسيّر لكم رجلاً!”.
زواج المصلحة والضرة المقهورة
لتسكين غضب الخليفة، اضطرت شجرة الدر للزواج من قائد جيشها “عز الدين أيبك”، وتنازلت له عن العرش شكلياً، لكنها ظلت هي الحاكم الفعلي من خلف الستار. المشكلة أن “أيبك” كان متزوجاً بالفعل من امرأة أخرى، تُعرف بـ “أم علي” (نسبة لابنها علي)، وكانت شجرة الدر تغار منها بشدة، فأجبرت أيبك على هجر زوجته الأولى وابنه، وحرمتهما من دخول القصر، لتعيش “أم علي” في قهر وظلم شديدين، تنتظر لحظة الانتقام.
الدم بالدم: اغتيال السلطان
بمرور السنوات، بدأ عز الدين أيبك يتمرد على سيطرة شجرة الدر، وقرر الزواج من أميرة أجنبية ليعزز نفوذه. جُن جنون شجرة الدر، وقررت التخلص منه. استدرجته إلى الحمام في القصر، وأمرت غلمانها بقتله خنقاً وضرباً، ثم أشاعت أنه مات فجأة أثناء الليل!
لكن المماليك لم يصدقوها، وقبضوا عليها، وحبسوها في أحد أبراج القلعة. وهنا، لمعت عينا “أم علي” في الظلام.. لقد حانت لحظة الانتقام التي انتظرتها لسنوات!
حفلة الموت: الاغتيال بـ “القباقيب”
بمجرد أن تولى “علي” (ابن عز الدين أيبك وأم علي) حكم مصر خلفاً لوالده المقتول، أصبحت “أم علي” هي السيدة الأولى والأقوى. أصدرت أوامرها بنقل شجرة الدر العظيمة إلى حمام القصر، وهناك، تم تسليمها إلى جواري “أم علي” اللاتي كن يحملن في أيديهن السلاح الأكثر إهانة في التاريخ: “القباقيب الخشبية”! (وهي أحذية الحمام الخشبية الثقيلة).
انهالت الجواري بضرب وحشي ومستمر بالقباقيب الخشبية على رأس وجسد شجرة الدر حتى هشموها تماماً، ولفظت الملكة التي هزمت الصليبيين أنفاسها الأخيرة مهانة ومحطمة على أرضية الحمام، ثم أُلقيت جثتها من فوق سور القلعة لتأكلها الكلاب الضالة!
الميلاد الدموي لـ “أم علي”
عندما تأكدت “أم علي” من موت ضرتها بأبشع طريقة، كادت تطير من الفرحة. وأرادت أن يشاركها الشعب المصري كله هذه النشوة، فأمرت طباخي القصر بجمع كل ما لديهم من خبز أو رقائق، وخلطه بأفخر أنواع الحليب، والسكر، والزبيب، والمكسرات، وتوزيعه مجاناً في شوارع القاهرة حارة حارة، احتفالاً بموت شجرة الدر وتولي ابنها السلطنة!
تساءل المصريون وهم يتذوقون هذا الطبق الساخن اللذيذ: “ما اسم هذه الحلوى؟”، فكانت الإجابة تأتي من حراس القصر: “هذه حلوى أم علي!”.
في “أصل الحكاية”، نكتشف أن المطبخ المصري يحتفظ في أطباقه بتاريخ من الملاحم والدماء. نجحت “أم علي” في الانتقام لكرامتها، وخلدت اسمها في تاريخ الحلويات العالمية، بينما انتهت أسطورة “شجرة الدر” تحت ضربات الخشب. في المرة القادمة التي تتناول فيها طبق “أم علي”، تذكر أن هذا المذاق الحلو وُلد من رحم الغيرة القاتلة، وأن كل ملعقة منه تحمل ذكرى ملكة سقطت ضحية لـ “قبقاب”!