مشهد احتفالي نراه دائماً؛ شخص يشتري سيارة جديدة، أو يبني منزلاً، أو يفتتح متجراً، فتكون أول خطوة قبل الاستخدام هي إحضار ذبيحة (عجل، خروف، أو حتى طائر)، وذبحها لتسيل دماؤها بالضبط على “العتبة” أو إطارات السيارة. ثم تغمس الأيدي في الدم الساخن، وتُطبع “خمسة وخميسة” دموية على الجدران أو الصاج!
نحن نمارس هذا الطقس بابتسامة، ونوزع اللحم على الفقراء، ونعتقد يقيناً أن هذا الفعل هو “صدقة” إسلامية أو مسيحية لشكر الله على النعمة وحمايتها من الحسد. ولكن، قف هنا! في قسم “أسئلة وحقائق” على موقع “أصل الحكاية”، سننزع الغطاء الديني عن هذا الطقس، لنكشف لك أنه لا يمت للأديان السماوية بصلة!
استعد للصدمة: أنت عندما تذبح على العتبة وتُلطخ الجدران بالدماء، فأنت تمارس حرفياً أقدم طقس وثني عرفته البشرية لـ “عقد صلح مع الشياطين ورشوة أرواح العالم السفلي”!
قرابين الأساس: حراس الأرض الغاضبون لنفهم الرعب الكامن خلف هذا الطقس، يجب أن نعود آلاف السنين إلى الوراء، إلى ما يُسميه علماء الأنثروبولوجيا بـ “قرابين الأساس” (Foundation Sacrifices). في العقائد القديمة (في بابل، ومصر القديمة، وعند العرب قبل الإسلام)، كان الإنسان يؤمن أن كل بقعة من الأرض، وكل جماد، له “أرواح حارسة” أو (عُمّار من الجن المارد) تسكنه وتملكه.
عندما يأتي الإنسان ليحفر الأرض ليبني بيتاً، أو يقتني شيئاً جديداً ذا قيمة، فإنه في نظر هذه الأرواح “غاصب ومُعتدٍ” يقتحم منطقتها. وإذا دخل الإنسان هذا البيت الجديد دون أن يُرضي هذه الأرواح، فإنها ستغضب، وستنتقم منه بأخذ “روح” مقابل اقتحامه؛ إما بمرضه، أو بانهيار البيت، أو بموت أحد أبنائه كضريبة للدم!
الفدية: روح مقابل روح! كيف يمكن للإنسان أن يحمي نفسه وعائلته من انتقام حراس العالم السفلي؟ لجأ العقل القديم إلى قانون “الفدية”. يجب أن نقدم للأرواح الغاضبة “دماً بديلاً” تشربه لترضى وتتركنا نعيش في سلام. فكان يتم إحضار حيوان، وذبحه بحيث يسيل دمه تحديداً على “المدخل أو العتبة” (وهي النقطة الفاصلة بين عالم الخارج المجهول وعالم الداخل الآمن).
الدم المسفوك على العتبة هو رسالة واضحة وقربان سحري يقول للجن والأرواح: “لقد أخذتم ضريبتكم من الدم والروح، فاتركوا أرواحنا في سلام، واسمحوا لنا بعبور العتبة!”. قديماً في بعض الحضارات القاسية، كانت تُذبح أعداد من البشر وتُدفن تحت أساسات القلاع والجسور لنفس الغرض!
لماذا نطبع الدم بأيدينا؟ “ميثاق الدم” أما طبع الأيدي بالدم على الجدران (والذي ندمجه مع طقس الخمسة وخميسة)، فهو ليس مجرد علامة للحسد، بل هو “ختم وميثاق”! في السحر القديم، تلطيخ البيت بالدم هو إعلان رسمي بتوقيع “معاهدة سلام” مع قوى الشر المحيطة. الدم المطبوع يخبر أي روح شريرة تمر بالمكان أن “هذا البيت دفع فديته، وهو الآن في حماية الأرواح الأرضية التي شربت دمه”.
خرافة ترتدي ثوب الصدقة بمرور الزمن، اختفت الأديان الوثنية، ولكن العقل الباطن للإنسان الشرقي ظل مرعوباً من المجهول ومن الحسد ومن زوال النعمة. ماذا فعل؟ قام بـ “أسلمة أو مسيحة” الطقس الوثني!
استمر في الذبح على العتبة، واستمر في تلطيخ الدم، ولكنه أطلق على اللحم اسم “صدقة لوجه الله”، متناسياً أن الصدقة الحقيقية تُعطى للفقير حية أو تُذبح في المسالخ النظيفة، ولا يُشترط أبداً إراقة دمائها على إطارات السيارات أو عتبات الأبواب! في “أصل الحكاية”، نكتشف أننا في أوقات فرحتنا الكبرى، نعود دون أن ندري لنمارس طقوس الخوف القديمة، ونعقد مواثيق الدم مع المجهول لنحمي أنفسنا من غدر الأيام.