إذا سافرت إلى المملكة العربية السعودية، أو أي دولة إسلامية في آسيا أو إفريقيا، وشهدت مراسم دفن، ستجد أن الطريقة الشرعية المتفق عليها هي حفر حفرة عميقة في الأرض، ووضع الجثمان في “لَحد” أو “شَق” داخل التراب مباشرة. ولكن، عندما تعود إلى مصر، ستجد مشهداً مختلفاً تماماً! المقابر في مصر عبارة عن “مدن صامتة”، مبانٍ قائمة فوق الأرض، لها أبواب وأقفال، وبداخلها غرف يطلق عليها “العيون” (عين للرجال وعين للنساء)، يتم إدخال الجثمان فيها وإغلاق الباب عليه دون أن يُهال عليه التراب مباشرة.
في قسم “أسئلة وحقائق” على موقع “أصل الحكاية”، نُجيب على السؤال الذي يطرحه كل أجنبي وعربي يزور مصر: لماذا يخالف المصريون الطريقة المعتادة للدفن؟ هل هو ابتداع ديني؟ أم أن هناك سراً معقداً أجبر المصريين على اختراع “الفَساقي” أو “مقابر العيون”؟
الجاني الأول: نهر النيل وغضب الطبيعة
السر الأول والأهم هو “جغرافيا مصر”. وادي النيل والدلتا أرض زراعية طينية خصبة جداً، وهذا يعني شيئاً واحداً: “منسوب المياه الجوفية مرتفع للغاية”. عندما دخل الفتح الإسلامي مصر، حاول المسلمون الأوائل دفن موتاهم بالطريقة الشرعية المعتادة (اللحد والشق) في التراب. ولكنهم اصطدموا بكارثة مرعبة؛ بمجرد حفر متر واحد في الأرض، كانت المياه تندفع وتملأ الحفرة! وخلال مواسم “فيضان النيل”، كانت المياه تغمر الأراضي وتصل إلى المقابر، مما يؤدي إلى طفو الجثث على السطح وتحللها بشكل بشع وانتشار الأوبئة.
الفتوى التي غيرت شكل الموت في مصر
أمام هذه الكارثة البيئية والصحية، كان لا بد من إيجاد حل يحمي حرمة الموتى. لجأ المصريون إلى علماء الدين، فأصدر الفقهاء في مصر (تيسيراً للضرورة الجغرافية) فتاوى تجيز بناء غرف فوق سطح الأرض (أو نصفها تحت الأرض ومبطنة بالأسمنت) تُعرف بـ “الفساقي” أو “العيون”. كان الهدف هو رفع الجثمان عن مستوى المياه الجوفية والفيضان لحمايته من التآكل والغرق. وبمرور الزمن، أصبحت هذه “الضرورة” هي القاعدة الثابتة والعرف السائد للدفن في مصر، حتى في المناطق الصحراوية التي لا تعاني من المياه الجوفية!
الجاني الثاني: جينات الفراعنة التي لم تمت
السر الثاني هو سر “نفسي وثقافي” يجري في دماء المصريين منذ آلاف السنين. المصري القديم كان يؤمن بأن المقبرة هي “بيت الأبدية”، لذلك كان يبنيها كمنزل حقيقي وغرف. رغم دخول الإسلام وتغير العقيدة، إلا أن “الهندسة المعمارية للموت” بقيت محفورة في العقل اللاواعي للمصريين. فكرة أن يُلقى الجثمان في التراب المباشر كانت قاسية على النفسية المصرية، فاستساغوا جداً فكرة بناء “حوش” أو “غرفة” مبلطة، لها باب يُغلق، ليأتوا في الأعياد والمناسبات ويجلسوا بجوار “غرفة” الميت ويشعروا بالونس، تماماً كما كان يفعل أجدادهم.
في “أصل الحكاية”، نكتشف أن المقابر المصرية ليست مجرد حجارة مرصوصة، بل هي قصة كفاح عبقرية خاضها المصريون لحماية موتاهم من غدر النيل والمياه الجوفية. “مقابر العيون” هي المزيج المثالي بين الضرورة الجغرافية، والفتوى الدينية المرنة، والجينات الفرعونية التي تأبى أن تترك المصري حتى وهو في مثواه الأخير.