عجلة سيارتك تُثقب فجأة في منتصف الطريق؟ “يا خراشي!”. طفلك يكسر مزهرية باهظة الثمن؟ “يا خراشي!”. ترى مشهداً لطيفاً لا يصدق؟ “يا خراشـي!”. هذه الكلمة السحرية محفورة في الجينات المصرية، نستخدمها للتعبير عن الصدمة، الاستغاثة، أو حتى الإعجاب. لكن، هل توقفت يوماً وسط دهشتك لتسأل نفسك: “من هو الخراشي؟ ولماذا نناديه هو تحديداً من بين ملايين البشر؟”.
في قسم “أسئلة وحقائق” على موقع “أصل الحكاية”، نكشف لكم أنكم طوال حياتكم كنتم تنادون على رجل دين حقيقي، عاش ومات في مصر، وكان بمثابة “الرجل الحديدي” لعامة الشعب في مواجهة ظلم الحكام والمماليك!
الرجل الذي يقف خلف الكلمة
الاسم الحقيقي لهذا النداء هو الشيخ “محمد بن جمال الدين عبد الله الخراشي”، المولود عام 1601م (1010 هـ) في قرية “أبو خراش” بمحافظة البحيرة. لم يكن الخراشي مجرد شيخ عادي، بل كان إماماً جليلاً، وعالماً فقيهاً، والأهم من ذلك: أنه كان أول من تولى منصب “شيخ الأزهر الشريف” في التاريخ، بعد أن كان المنصب يعتمد على مشيخة أروقة الأزهر المتفرقة.
لماذا أصبح اسمه “نداء استغاثة”؟
في عصر الشيخ الخراشي، كانت مصر تعاني من ظلم وظشونة أمراء المماليك. كانت الضرائب تُفرض بالقوة، وتُسلب الأراضي، ويُظلم الفلاحون في القرى والأحياء البسيطة دون أن يجدوا من يرد لهم حقوقهم، لأن القضاء كان في كثير من الأحيان يخشى بطش المماليك.
وسط هذا الظلام، برز الشيخ الخراشي كـ “حائط الصد” المنيع لعامة الشعب. كان يتمتع بشخصية قوية جداً، ومهابة لا مثيل لها، وكلمته مسموعة لدى أكبر حكام مصر. بسبب عدله وشجاعته، أصبح الملاذ الأخير لكل مظلوم. إذا سُلب حق فلاح، أو ظُلم تاجر، أو اعتدى مملوكي على امرأة، لم يكونوا يذهبون إلى القاضي أو الوالي، بل يركضون مباشرة نحو الجامع الأزهر وهم يصرخون بأعلى صوتهم: “يا خراشي.. يا خراشي!”.
الكلمة التي تُرعب الحكام
بمجرد أن يسمع الشيخ نداء المظلوم، كان ينتفض من مجلسه، ولا يهدأ له بال حتى يستدعي الوالي أو الأمير المملوكي الذي ارتكب الظلم، ويجبره بقوة الحق وهيبة الأزهر على رد الحق لأصحابه فوراً. كان اسم “الخراشي” يثير الرعب في قلوب الفاسدين، لدرجة أن الظالم كان يتراجع عن ظلمه بمجرد أن يهدده المظلوم قائلاً: “سأذهب للخراشي!”.
الخلاصة
توفي الشيخ الخراشي عام 1690م، ودُفن في قرافة المجاورين بالقاهرة. مات الرجل الذي نصر الضعفاء، لكن المصريين، بطبعهم الوفي الذي لا ينسى من وقف بجانبهم، رفضوا أن يتركوا اسمه يموت. في “أصل الحكاية”، نكتشف أن نداء “يا خراشي” ليس مجرد لازمة شعبية فارغة، بل هو “وثيقة تاريخية صوتية” نحتفظ بها في حناجرنا منذ 300 عام، لنخلد ذكرى أول شيخ للأزهر، الرجل الذي كان درعاً للفقراء وسيفاً على رقاب الظالمين.