تخيل مكاناً واحداً يجمع كل ما توصل إليه العقل البشري من علوم، وفلسفة، وأدب، وفلك، وطب. مكان يعمل كـ “إنترنت” العالم القديم، حيث يسافر إليه أعظم العلماء من كل بقاع الأرض للبحث والدراسة. هذا المكان لم يكن خيالاً، بل كان حقيقة واقعة على أرض مصر، وتحديداً على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. إنها مكتبة الإسكندرية القديمة الكبرى.
في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نعود بالزمن إلى العصر البطلمي لنشهد كيف تحولت الإسكندرية إلى منارة للمعرفة العالمية، ونفتح ملف التحقيق في أقدم وأعظم “جريمة ثقافية” عرفتها البشرية: من الذي تجرأ على إحراق هذا الكنز؟ وهل كان شخصاً واحداً أم سلسلة من الكوارث؟
تأسيس حلم المعرفة: عندما أرادت مصر جمع عقول العالم
بدأت فكرة إنشاء المكتبة في القرن الثالث قبل الميلاد، وتحديداً في عهد “بطليموس الأول” (سوتير)، أحد قادة الإسكندر الأكبر الذي حكم مصر بعد وفاته. أدرك بطليموس أن القوة الحقيقية للإمبراطورية لا تكمن في السلاح فقط، بل في المعرفة. فقرر تأسيس “معهد الميوسيون” (Musaeum)، وهو مجمع علمي ضخم يضم معبدًا لربات الفنون، وحدائق حيوان ونبات، والأهم من ذلك: مكتبة ضخمة.
بلغت المكتبة أوج عظمتها في عهد ابنه “بطليموس الثاني” (فيلادلفوس)، الذي وضع هدفاً جنونياً لا يصدق: جمع نسخة من كل كتاب كُتب في العالم. لم تكن الكتب في ذلك الوقت مطبوعة، بل كانت عبارة عن لفائف بردي نادرة ومكلفة جداً.
“سياسة السفن”: كيف جمعت المكتبة ملايين المخطوطات؟
لتحقيق هذا الهدف الطموح، استخدم ملوك البطالمة طرقاً قاسية وذكية جداً لجمع المعرفة، عُرفت بـ “سياسة السفن”:
- تفتيش السفن الإلزامي: كان يُمنع على أي سفينة تجارية أو حربية ترسو في ميناء الإسكندرية المغادرة قبل تفتيشها. إذا وُجد أي كتاب أو مخطوطة على متنها، تتم مصادرته فوراً ونقله إلى المكتبة.
- النسخ والتعويض: كان نُساخ المكتبة يقومون بنسخ الكتاب المصادر بعناية فائقة. بعد الانتهاء، كانت المكتبة تحتفظ بالنسخة “الأصلية” وتُعيد “النسخة المقلدة” لأصحابها كتعويض!
- شراء المكتبات الخاصة: أنفق البطالمة ثروات طائلة لشراء المكتبات الخاصة للفلاسفة العظماء، مثل مكتبة “أرسطو”، لضمان عدم وجود منافس لمكتبة الإسكندرية.
بفضل هذه الجهود، قُدر عدد اللفائف في المكتبة بحوالي نصف مليون إلى 700 ألف لفافة، تضم علوم الهندسة لـ “إقليدس”، واكتشافات “أرخميدس”، وكتابات “هوميروس”، وأول محاولة ناجحة لقياس محيط الأرض بواسطة العالم “إراتوستينس”.
من أحرق المكتبة؟ (المشتبه بهم في قفص الاتهام التاريخي)
رغم هذه العظمة، لم يتبقَ من هذا الكنز المعرفي أي أثر. اختفت المكتبة تماماً من الوجود، تاركة وراءها لغزاً تاريخياً دموياً. المؤرخون يضعون ثلاثة متهمين رئيسيين في قفص الاتهام:
المتهم الأول: يوليوس قيصر (48 قبل الميلاد) – الحريق الخطأ
في عام 48 قبل الميلاد، وصل الإمبراطور الروماني “يوليوس قيصر” إلى الإسكندرية وتدخل في الصراع على العرش بين الملكة “كليوباترا” وشقيقها “بطليموس الثالث عشر”. عندما حوصر قيصر وقواته في القصر الملكي من قبل الأسطول المصري، أمر قيصر بإشعال النار في السفن الرومانية الموجودة في الميناء لمنع العدو من الاستيلاء عليها. امتدت النيران بشكل خارج عن السيطرة بفعل الرياح، والتهمت أجزاء واسعة من المدينة، ويقول الفيلسوف الروماني “سينيكا” إن الحريق دمر حوالي 400 ألف لفافة بردي كانت مخزنة في مستودعات قريبة من الميناء. هذا هو الحادث الأكثر توثيقاً تاريخياً، رغم أن بعض المؤرخين يعتقدون أن المكتبة الأصلية (الميوسيون) ربما نجت جزئياً من هذا الحريق.
المتهم الثاني: الإمبراطور ثيودوسيوس والبطريرك ثيوفيلوس (391 ميلادياً)
بعد مرور قرون، أصبحت الإمبراطورية الرومانية مسيحية، وصدرت أوامر حاسمة بتدمير المعابد الوثنية. في عام 391 ميلادياً، أصدر الإمبراطور “ثيودوسيوس الأول” مرسوماً بإغلاق المعابد. في الإسكندرية، قاد البطريرك “ثيوفيلوس” هجوماً حشودياً لتدمير معبد “السيرابيوم”، وهو المعبد الذي كان يضم “المكتبة الصغرى” (أو ابنة مكتبة الإسكندرية)، والتي كانت تحتوي على ما تبقى من مخطوطات بعد حريق يوليوس قيصر. تم تدمير المعبد بالكامل، ويعتقد الكثيرون أن هذا الحدث كان المسمار الأخير في نعش المعرفة القديمة في الإسكندرية.
المتهم الثالث: عمرو بن العاص (642 ميلادياً) – أسطورة أم حقيقة؟
في القرن الثالث عشر الميلادي، ظهرت قصة يرويها المؤرخ “ابن القفطي”، تزعم أنه عندما دخل القائد المسلم “عمرو بن العاص” الإسكندرية، سأل الخليفة “عمر بن الخطاب” عما يجب فعله بكتب المكتبة. وتدعي القصة أن الخليفة أمر بحرقها لأن القرآن الكريم يُغني عنها، فتم استخدام الكتب كوقود لحمامات الإسكندرية لمدة ستة أشهر. ومع ذلك، أثبتت الأبحاث التاريخية الحديثة، غربية وعربية، أن هذه القصة مجرد أسطورة سياسية لا أساس لها من الصحة؛ لعدة أسباب منطقية:
- المكتبة كانت قد دُمرت بالفعل واختفت قبل دخول الفتح الإسلامي لمصر بحوالي 300 عام.
- لم يُذكر هذا الحادث في أي مصدر تاريخي معاصر للفتح (سواء إسلامي أو مسيحي)، وظهرت القصة فجأة بعد أكثر من 500 سنة من الحدث المزعوم.
- التراث الإسلامي في تلك الفترة كان يشجع على ترجمة وحفظ العلوم القديمة (كما حدث لاحقاً في دار الحكمة ببغداد)، وليس حرقها.
موت بطيء وليس حريقاً واحداً
في الحقيقة، يشير الإجماع التاريخي الحديث إلى أن مكتبة الإسكندرية لم تُدمر في يوم واحد وبحريق واحد متعمد. بل كانت ضحية لـ “الموت البطيء” الناجم عن الإهمال، وتراجع التمويل الملكي، وتوالي الحروب الأهلية، والزلازل التي ضربت الإسكندرية، وصعود عصور التعصب التي حاربت العلم والفلسفة.
في “أصل الحكاية”، نتعلم من مأساة مكتبة الإسكندرية أن أعظم التهديدات التي تواجه الحضارة البشرية ليست النيران أو الجيوش، بل نسيان المعرفة وإهمالها. ورغم زوال جدرانها ولفائفها، ستظل روح مكتبة الإسكندرية القديمة حية، تذكرنا دائماً بأن الشغف بالمعرفة هو أثمن كنز يمكن أن تمتلكه أمة.