عندما نتحدث عن اللصوص والنشالين، نقفز فوراً إلى صورة ذهنية نمطية لمجرمين يعملون بعشوائية في الزحام هرباً من الشرطة. ولكن، ماذا لو أخبرتك أن هؤلاء النشالين في مصر خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، لم يكونوا مجرد هواة، بل كانوا “كياناً مؤسسياً” منظماً؟ نعم، لقد كان لهم نقابة، ونقيب، وقوانين صارمة، بل وحتى “مواقف وطنية” أذهلت الجميع!
في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح أرشيف الصحافة المصرية القديمة، ونقلب في صفحات التاريخ السري والمثير لنجلب لكم قصة “نقابة النشالين”.. الكيان الذي لم تعترف به وزارة الشؤون الاجتماعية، ولكنه حكم الشارع المصري بقبضة خفية.
كيف بدأت الفكرة؟ 5000 عضو مجهول!
في بدايات القرن العشرين، ومع زيادة التكدس في شوارع القاهرة والإسكندرية وانتشار وسائل النقل العام زي الترام والقطارات، انتعشت مهنة “النشل”. ولأن أعداد النشالين زادت بشكل كبير، بدأت تحدث بينهم صراعات على “مناطق النفوذ”. وهنا، تفتق ذهن كبار “الكار” عن فكرة عبقرية: لماذا لا نؤسس نقابة سرية تنظم عملنا وتحمي مصالحنا؟
وبالفعل، تعتبر “نقابة النشالين” من أوائل الجمعيات السرية في مصر. كانت جمعية مجهولة المقر، خوفاً من البوليس بطبيعة الحال، ولكن عدد أعضائها المسجلين في الدفاتر السرية وصل في فترة الأربعينيات إلى حوالي 5000 عضو، من بينهم 1000 سيدة! كان الانضمام للنقابة يتطلب شروطاً واختبارات قاسية في “خفة اليد” لضمان عدم توريط النقابة مع الشرطة بسبب نشال فاشل.
قوانين النقابة: لكل نشال منطقة.. ومحكمة للمخالفين
لم تكن النقابة مجرد اسم، بل كانت تدير العمل باحترافية شديدة. في يناير عام 1948، استطاع مندوب صحفي من “مجلة الاثنين والدنيا” الوصول إلى “نقيب النشالين” وقتها، وأجرى معه حواراً صحفياً نادراً وطريفاً كشف فيه النقيب عن طريقة عملهم.
كانت أولى مهام النقابة هي “تقسيم الغنائم والمناطق”. كل عضو في النقابة له خط سير ومنطقة خاصة به (مثلاً: محطة مصر، أو خط ترام العتبة، أو أسواق محددة). يُمنع منعاً باتاً على أي نشال أن “يصطاد” في منطقة زميله. وإذا حدث خلاف بين عضوين، تتدخل النقابة فوراً وتعقد “مجلس عرب” أو محكمة داخلية تفصل في النزاع. وإذا ثبتت إدانة أحدهم بمخالفة قوانين النقابة أو الوشاية بزميل، يتم توقيع عقوبات قاسية عليه قد تصل إلى الطرد من النقابة، مما يعني أنه سيصبح هدفاً للبوليس ولزملائه القدامى!
“شرف المهنة”: نشالون بضمير وطني!
الجزء الأكثر إثارة للدهشة والكوميديا في هذا التنظيم هو “المبادئ الوطنية” التي كانت تحكمهم. فرغم أنهم لصوص، إلا أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم جزءاً من نسيج الشعب المصري.
في الحوار الصحفي الشهير، سأل الصحفي نقيب النشالين عن مواقفهم، فأجابه النقيب بكل فخر أن النقابة تُعلن الإضراب العام عن النشل في جميع المناسبات الوطنية! على سبيل المثال، كانوا يمتنعون تماماً عن سرقة المواطنين في أعياد جلوس الملك، وفي عيد الجهاد الوطني، وأثناء افتتاح البرلمان. والأعجب من ذلك، أنه في جنازة الزعيم “سعد زغلول” باشا، أصدرت النقابة فرماناً صارماً بوقف النشل لمدة 24 ساعة احتراماً لحزن المصريين على زعيمهم، وقال النقيب مبرراً ذلك: “إحنا طبعاً ناس لينا ضمير وبنحس بوجع البلد!”.
شيخ النشالين “عبد العزيز النص”: من عالم الجريمة إلى الأدب
لا يمكن الحديث عن هذا العالم السري دون ذكر أشهر شخصية فيه: “عبد العزيز النص”. كان هذا الرجل يُعتبر “شيخ النشالين” وأسطورتهم في الثلاثينيات. ورغم براعته، إلا أنه قرر فجأة التوبة واعتزال النشل، وبدأ يبحث عن رزق حلال.
لم يكتفِ “النص” بالتوبة، بل قرر أن يفضح أسرار هذه المهنة. فتواصل مع الصحفي “حسني يوسف” في جريدة “لسان الشعب”، وطلب منه كتابة مذكراته. وبالفعل، نُشرت مذكراته في كتاب حمل عنوان “مذكرات نشال”، والذي يُعتبر اليوم وثيقة تاريخية نادرة تكشف لنا كيف كان يعيش هؤلاء الناس، وكيف كانت تُدار عصاباتهم، وكيف كانوا يقاومون الاحتلال الإنجليزي أحياناً بطريقتهم الخاصة (عبر سرقة جنود الاحتلال فقط في أوقات معينة كنوع من المقاومة!).
الوجه الآخر للتاريخ
قد نضحك اليوم من فكرة وجود “نقابة للنشالين” بآداب وقوانين، لكنها تعكس صورة حقيقية لحقبة من تاريخ مصر كان فيها المجتمع الشعبي يخلق قوانينه الخاصة عندما تغيب الدولة أو تضعف تحت وطأة الاحتلال. في “أصل الحكاية”، نتعلم أن التاريخ لا يُكتب فقط في القصور وأروقة الوزارات، بل يُصنع أحياناً في الحواري المظلمة وعلى ظهور القطارات، حيث يمتزج الخير بالشر، وتخرج لنا حكايات لا تُنسى عن لصوص يمتلكون، بطريقتهم العجيبة، شيئاً من المروءة.