تخيل نفسك تعيش في عالم لا توجد فيه آلات رافعة، ولا شاحنات عملاقة، بل لا توجد فيه حتى “عجلة” خشبية بسيطة لتسهيل نقل الأشياء الثقيلة. في هذا العصر السحيق، المليء بالبساطة والبدائية، قررت مجموعة من البشر القيام بعمل يبدو مستحيلاً حتى بمعايير العصر الحديث: نقل صخور يزن بعضها 25 طناً لمسافة تتجاوز 240 كيلومتراً، ثم رفعها وترتيبها في دوائر هندسية معقدة!
نحن هنا لا نتحدث عن أسطورة خيالية، بل نتحدث عن الأثر الغامض والأشهر في قارة أوروبا: “ستونهنج” (Stonehenge). في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نسافر إلى سهول “سالزبري” في جنوب إنجلترا، لنقف أمام هذه الصخور العملاقة الصامتة، ونطرح السؤال الذي حير علماء الآثار والفيزياء والتاريخ لقرون: من بنى هذا الصرح؟ وكيف فعلوا ذلك؟ والأهم من ذلك.. لماذا؟
دوائر الحجر الصامتة: معجزة تتحدى الزمن
بدأ بناء “ستونهنج” على مراحل امتدت لحوالي 1500 عام (من 3000 إلى 1500 قبل الميلاد)، أي في العصر الحجري الحديث وأوائل العصر البرونزي. يتكون الموقع من دائرة خارجية من حجارة ضخمة تُعرف باسم حجارة “السارسن” (Sarsen stones)، يبلغ ارتفاع الحجر الواحد حوالي 4 أمتار ويزن في المتوسط 25 طناً. يعلو هذه الحجارة الرأسية حجارة أفقية منحنية قليلاً لتشكل حلقة متصلة.
وداخل هذه الدائرة العملاقة، توجد حلقة أصغر مصنوعة من حجارة تُعرف باسم “الصخور الزرقاء” (Bluestones). ورغم أنها أصغر حجماً (تزن حوالي 2 إلى 4 أطنان)، إلا أنها تحمل اللغز الأكبر في هذا الموقع الأثري بالكامل.
رحلة الصخور الزرقاء المستحيلة: من جبال ويلز إلى سهول إنجلترا
إذا كانت حجارة “السارسن” العملاقة قد تم جلبها من محاجر قريبة نسبياً (على بعد حوالي 30 كيلومتراً)، فإن الجيولوجيين ألقوا بقنبلة علمية مدوية عندما فحصوا “الصخور الزرقاء”. لقد أثبت التحليل الكيميائي والجيولوجي أن هذه الصخور لا تنتمي لطبيعة المنطقة إطلاقاً، بل موطنها الأصلي هو تلال “بريسيلي” (Preseli Hills) في غرب ويلز!
المسافة بين التلال في ويلز وموقع ستونهنج في إنجلترا تتجاوز 240 كيلومتراً، وتتخللها جبال، وغابات كثيفة، ومستنقعات، وأنهار جارفة. كيف تمكن إنسان العصر الحجري من نقل 80 حجرة تزن كل منها أطناناً عبر هذه التضاريس القاسية والمسافة المرعبة؟
كيف تم النقل؟ النظريات تنهار أمام الواقع
فتحت هذه المعجزة الباب أمام عشرات النظريات، بعضها لجأ للخيال والبعض الآخر حاول التمسك بالعلم:
- أسطورة الساحر ميرلين: في العصور الوسطى، لم يستوعب البريطانيون أن أجدادهم بنوا هذا الأثر. فظهرت أسطورة تقول إن الساحر الشهير “ميرلين” (ساحر الملك آرثر) هو من نقل هذه الصخور من أيرلندا باستخدام السحر الأسود بليلة واحدة! بالطبع، هي قصة خيالية لتبرير العجز عن الفهم.
- نظرية الأنهار الجليدية: اقترح بعض الجيولوجيين في القرن الماضي أن الطبيعة هي من قامت بالعمل الشاق. زعموا أن الأنهار الجليدية الضخمة في العصر الجليدي هي التي جرفت هذه الصخور من ويلز وألقتها في سهول سالزبري. لكن هذه النظرية سقطت تماماً عندما لم يجد العلماء أي دليل جيولوجي على وصول الأنهار الجليدية إلى تلك المنطقة المحددة.
- الجهد البشري الخالص (النظرية الأقوى): يُجمع علماء الآثار اليوم على أن البشر هم من نقلوا الصخور بجهد عضلي وعقلي جبار. يُعتقد أنهم استخدموا شبكة من الممرات المائية لنقل الصخور على طوافات خشبية عبر الساحل، ثم سحبوها على اليابسة باستخدام “زلاجات خشبية” ضخمة توضع فوق جذوع أشجار تتدحرج كعجلات بدائية، ويقوم بسحبها مئات الرجال باستخدام حبال متينة مصنوعة من ألياف النباتات. إنها عملية إدارية ولوجستية تتطلب مجتمعاً منظماً بشكل مذهل.
من هو المهندس العبقري وراء هذا البناء؟
لم تكن المشكلة في النقل فقط، بل في الهندسة الدقيقة. حجارة “السارسن” العلوية الأفقية لم توضع بشكل عشوائي، بل تم نحت نتوءات في الحجارة الرأسية (تشبه نظام العاشق والمعشوق في النجارة الحديثة) لتثبيت الحجارة العلوية بإحكام شديد يمنع سقوطها لآلاف السنين.
حتى وقت قريب، كان يُعتقد أن مجتمعاً متوحشاً وهمجياً هو من سكن بريطانيا في ذلك الوقت. لكن ستونهنج أثبتت العكس؛ لقد كان هناك مهندسون عباقرة، ومراقبون للنجوم، وقادة قادرون على حشد وتغذية وتوجيه آلاف العمال لعقود طويلة من الزمن لإنهاء هذا المشروع القومي.
لماذا تكبدوا كل هذا العناء؟ (سر البناء)
إذا كانوا قد بذلوا كل هذا الجهد والخيال، فما هو الغرض من ستونهنج؟ الإجابة تكمن في السماء:
- مرصد فلكي ومرآة للزمن: التصميم الهندسي لستونهنج ليس عشوائياً. إذا وقفت في قلب الدائرة فجر يوم “الانقلاب الصيفي” (أطول نهار في السنة)، سترى الشمس تشرق تماماً وبدقة مرعبة من فوق حجر يُسمى “حجر الكعب” (Heel Stone) خارج الدائرة. وإذا وقفت في يوم “الانقلاب الشتوي” (أقصر نهار في السنة)، ستجد الشمس تغرب بين عمودين محددين في الداخل. لقد كان ستونهنج بمثابة تقويم فلكي زراعي ضخم لمعرفة مواسم الزراعة والحصاد.
- مركز للشفاء والحج: يعتقد الخبراء أن “الصخور الزرقاء” القادمة من ويلز كانت تُعتبر أحجاراً مقدسة تمتلك طاقة استشفائية. وقد تم العثور على مئات الهياكل العظمية في المنطقة لأشخاص عانوا من إصابات وأمراض خطيرة، سافروا من مناطق بعيدة جداً (حتى من جبال الألب) إلى ستونهنج أملاً في الشفاء، تماماً كما يسافر الناس اليوم إلى المزارات المقدسة.
- مقبرة للأشراف: كشفت الحفريات الحديثة أن الموقع كان يُستخدم أيضاً كحقل حرق ودفن لرفات شخصيات يبدو أنها كانت من النخبة الحاكمة أو الكهنة الكبار.
سيظل “ستونهنج” واقفاً كحارس صامت على أسرار ماضينا العميق. إنه يذكرنا دائماً بأن الإنسان القديم لم يكن مجرد كائن بدائي يبحث عن الطعام، بل كان كائناً حالماً، ينظر إلى النجوم، ويبحث عن معنى للحياة، ويمتلك الإرادة لتطويع الطبيعة القاسية بأبسط الأدوات المتاحة. في “أصل الحكاية”، نؤمن بأن الصخور قد لا تنطق، ولكنها إذا اصطفت بعبقرية، فإنها تروي أعظم قصص الإرادة البشرية التي لا تعرف المستحيل.