قد يبدو الأمر صادماً للأجيال الحالية، ولكن حتى أربعينيات القرن الماضي، كانت “الدعارة” في مصر مهنة مقننة ورسمية! كان لها سجلات في الحكومة، وضرائب تُدفع، وأحياء مخصصة بالكامل ترفع الرايات الحمراء، وأشهرها على الإطلاق “شارع كلوت بك” في قلب القاهرة.
في قسم “قصص حقيقية” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح أرشيف البرلمان المصري لنحكي قصة من أذكى وأدهى عمليات “الضغط السياسي” في تاريخنا. قصة نائب صعيدي حرش، قرر أن يمسح هذه الوصمة من جبين مصر، ولأنه فشل بالطرق الدبلوماسية المعتادة، قرر أن يستخدم “الدهاء البلدي” ليوقع الحكومة بأكملها في فخ لا مخرج منه!
معركة النائب العنيد ضد الحكومة
في عام 1945، وقف النائب البرلماني الشاب “سيد جلال” (نائب دائرة باب الشعرية) تحت قبة البرلمان ليطالب بإلغاء البغاء الرسمي في مصر. لكن ردهات السياسة كانت باردة؛ ادعى الوزراء أن الإلغاء سيؤدي إلى انتشار الأمراض السرية في الخفاء، وأن وجود هذه الأحياء تحت عين الشرطة ووزارة الصحة أفضل من خروجها للعلن، وتم رفض طلبه.
لكن “سيد جلال” لم ييأس. أدرك أن الوزراء يعيشون في قصورهم العاجية ولا يعرفون حجم المأساة والإهانة التي يعيشها البسطاء في تلك الشوارع. فقرر أن يجعل وزير الشؤون الاجتماعية (المسؤول الأول عن هذا الملف) يعيش التجربة بنفسه.. ولكن بـ “مكيدة” لن ينساها طوال حياته!
الفخ الدبلوماسي: دعوة عشاء ملغمة
دعا النائب سيد جلال وزير الشؤون الاجتماعية آنذاك (جلال فهيم باشا) لافتتاح مدرسة خيرية جديدة في دائرته بباب الشعرية. فرح الوزير بهذه الدعوة التي ستلمع صورته أمام الصحافة، وقبلها فوراً.
بعد انتهاء حفل الافتتاح بنجاح، اقترب سيد جلال من الوزير وقال له بلباقة: “يا معالي الباشا، أهالي الدائرة أعدوا لك مأدبة عشاء فخمة تليق بمقامك، ولا يمكن أن تكسر بخاطرهم”. وافق الوزير الذي كان يشعر بالزهو، واستقل حنطوراً فخماً بصحبة النائب متجهين إلى مكان العشاء.
الكمين في شارع “كلوت بك”
بدلاً من الذهاب لمطعم فاخر، أمر سيد جلال سائق الحنطور بالدخول عمداً في أزقة “شارع كلوت بك” المكتظة ببيوت الدعارة. وبمجرد دخول الحنطور الأنيق، وبترتيب مسبق من النائب سيد جلال مع بعض فتوات الشارع، تم إيقاف الحنطور!
فجأة، وجد الوزير المحترم نفسه محاصراً بمئات من السيدات بملابس فاضحة، والسكارى، والبلطجية. وبدأ المخطط الذي رسمه سيد جلال يتنفذ بحذافيره: قامت السيدات بتمزيق ملابس الوزير، وسرقة “طربوشه” (رمز الهيبة وقتها)، وبدأن في جذبه من بدلته وإلقاء النكات البذيئة عليه، بينما كان الوزير يصرخ في رعب شديد: “أنا الوزير! أنا الوزير!”. وكلما صرخ، زادت سخرية الحشود منه.
ظل الوزير عالقاً في هذا الكابوس المريع والمذل لمدة نصف ساعة كاملة، وسط ضحكات سيد جلال الخفية، حتى سمحوا للحنطور بالمرور بعد أن تحطمت هيبة “الباشا” تماماً.
الضربة القاضية تحت قبة البرلمان
في اليوم التالي مباشرة، دخل الوزير جلال فهيم باشا إلى قاعة البرلمان ووجهه محتقن بالغضب والشعور بالإهانة، وطلب الكلمة بشكل عاجل. وقف الوزير يصرخ بأعلى صوته أمام النواب: “أيها السادة.. من العار أن يكون في عاصمة بلادنا شوارع مثل هذه! أطالب فوراً بإلغاء البغاء الرسمي وإغلاق هذه المواخير التي تهين كرامة مصر!”.
ابتسم النائب “سيد جلال” في مكانه، فقد نجحت الخطة بامتياز! وبفضل هذه المكيدة العبقرية، أصدر البرلمان المصري قراراً تاريخياً في عام 1947 بإلغاء الدعارة الرسمية وتجريمها في مصر إلى الأبد.
الخلاصة
في “أصل الحكاية”، نرفع القبعة للنائب سيد جلال، الرجل الذي أدرك أن بعض القوانين لا تتغير بالخطب الرنانة، بل تحتاج لـ “صدمة” تزلزل الأرض تحت أقدام المسؤولين. حيلة الصعيدي الذكي أغلقت أبواب العار، وأثبتت أن الشارع المصري يمتلك دائماً طرقه الخاصة لفرض إرادته.