في طابور مصلحة حكومية، أو عند سماع قرار تعسفي غير منطقي، أو عندما يقفز مديرك بطلب غبي يفتقر إلى أبسط قواعد العقل، تضرب كفاً بكف وتقول بتذمر: “إيه ده؟ دي أحكام قراقوش!”. لقد تبرمجنا جيلاً بعد جيل على أن اسم “قراقوش” هو المرادف التاريخي للغباء المطلق، والطغيان، والقرارات العشوائية المضحكة. نتخيله حاكماً بديناً، يجلس على عرشه ليصدر أحكاماً بالإعدام على من يتنفس بصوت عالٍ!
ولكن، في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نعتذر لهذا الرجل بالنيابة عن التاريخ. سنكشف لكم اليوم عن واحدة من أبشع جرائم “الاغتيال المعنوي” و”الأخبار المفبركة” التي وقعت قبل اختراع السوشيال ميديا بقرون. من هو قراقوش الحقيقي؟ وكيف نجح كاتب ساخر حاقد في مسح تاريخ بطل عظيم ليحوله إلى نكتة يتوارثها المصريون؟
النسر الأسود: من هو بهاء الدين قراقوش؟
اسمه الحقيقي “بهاء الدين قراقوش”، وكلمة قراقوش باللغة التركية تعني “النسر الأسود”. لم يكن قراقوش حاكماً معتوهاً كما نتخيل، بل كان قائداً عسكرياً فذاً، ومهندساً معمارياً عبقرياً، والأهم من ذلك: كان الصديق الصدوق والذراع اليمنى للقائد العظيم “صلاح الدين الأيوبي”.
عندما دخل صلاح الدين مصر، لم يثق في أحد لتأمين القاهرة وحمايتها قدر ثقته في قراقوش. وبدأ “النسر الأسود” في ترك بصمات معمارية وعسكرية لا تزال صامدة في قلب مصر حتى اللحظة التي تقرأ فيها هذه السطور! هل تعلم من الذي صمم وبنى “قلعة الجبل” (المعروفة بقلعة صلاح الدين) التي تحرس القاهرة؟ إنه قراقوش. هل تعلم من الذي بنى “سور القاهرة” العظيم ليحميها من هجمات الصليبيين؟ إنه قراقوش. هل تعلم من الذي بنى “قناطر الجيزة” وعمّر أركان الدولة الأيوبية؟ نعم، إنه قراقوش!
كان رجلاً صارماً، لا يعرف الرشوة، ولا يتهاون في العمل، يُشرف بنفسه على بناء الحصون، ويدير شؤون الدولة بحزم شديد أثناء غياب صلاح الدين في حروبه لتحرير القدس.
كيف سقط البطل؟ “الكوميديا” كسلاح دمار شامل!
إذا كان الرجل بهذه العظمة، فمن أين جاءت نكتة “أحكام قراقوش”؟ الإجابة تكمن في سلاح أخطر من السيوف: “الكوميديا والسخرية”.
كان هناك مسؤول كبير في ديوان الدولة يُدعى “الأسعد بن مماتي”. كان ابن مماتي كاتباً بارعاً وشاعراً سليط اللسان، ويبدو أن صرامة قراقوش العسكرية وحزمه المفرط اصطدما بمصالح وفساد بعض الإداريين، ومنهم ابن مماتي الذي كان يحمل حقداً دفيناً تجاه القائد العسكري الذي لا يتهاون.
قرر ابن مماتي الانتقام، ولم يجد طريقة أفضل من “تشويه السمعة”. فكتب كتاباً ساخراً وعجيباً أسماه: (الفاشوش في أحكام قراقوش).
حكايات الفاشوش: عندما يصدق الشعب النكتة!
في هذا الكتاب، افترى ابن مماتي على قراقوش واختلق قصصاً كوميدية خيالية ونسبها إليه، ليظهره في صورة الحاكم الغبي المعتوه. من أشهر هذه القصص المفبركة التي ذكرها الكتاب:
- أن قراقوش أمر بشنق لص، ولما وجدوا أن اللص طويل جداً وحبل المشنقة قصير، أمرهم قراقوش قائلاً: “ابحثوا عن رجل قصير فاشنقوه بدلاً منه!”.
- وأنه أصدر قراراً بمنع الفلاحين من زراعة القطن، ولما سألوه عن السبب قال: “لأن القطن يطير في الهواء ويوسخ الشوارع!”.
- وأنه أمر بسجن رجل لأنه حلم في منامه بأنه يسرق خزانة الدولة!
الفخ التاريخي: انتصار الكذبة
المصريون بطبعهم يعشقون النكتة والسخرية، وخاصة إذا كانت تسخر من أصحاب السلطة. انتشر كتاب “الفاشوش” كالنار في الهشيم في مقاهي القاهرة القديمة وأسواقها. تناقل الناس هذه القصص الكوميدية للضحك والتسلية، ومع مرور السنين، وتعاقب الأجيال، مات قراقوش، ومات ابن مماتي، ونسي الناس تاريخ بناء القلعة والأسوار، ولكنهم.. لم ينسوا النكتة!
تحولت القصص الخيالية الساخرة إلى “حقائق تاريخية” في الوجدان الشعبي، وظُلم بهاء الدين قراقوش ظلماً لم يتعرض له فاتح أو قائد في تاريخ الشرق.
في “أصل الحكاية”، نقف أمام قبر هذا القائد العظيم لنرد له اعتباره. قراقوش لم يكن أحمقاً، بل كان ضحية لأول حملة “شائعات ممنهجة” في تاريخنا. لقد علمنا ابن مماتي درساً مرعباً؛ وهو أن النكتة أقوى من الحجر، وأن الكلمة الساخرة قادرة على هدم قلاع بناها العظماء بأرواحهم. في المرة القادمة التي تقف فيها أمام قلعة صلاح الدين الشامخة، تذكر أن من رفع هذه الأحجار هو رجل ظلمه التاريخ، وضحكنا عليه لقرون طويلة دون أن ندري!