لا يكتمل صباح العيد في عيون الأطفال (وحتى الكبار) إلا بتلك اللحظة الساحرة؛ لحظة خروج الأوراق النقدية الجديدة من جيوب الآباء والأجداد لتستقر في أيديهم الصغيرة. “العيدية”.. هي الفرحة المادية الملموسة التي تقاس بها جودة العيد. ولكن، هل سألت نفسك يوماً: من أين جاءت هذه العادة؟ لماذا نعطي الأموال تحديداً في هذا اليوم؟ وهل كان الصحابة والتابعون يوزعون “العيدية” على أطفالهم؟
في قسم “أسئلة وحقائق” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح خزائن التاريخ لنكشف لكم أن العيدية لم تبدأ كهدية للأطفال على الإطلاق، بل بدأت كـ “مكافأة سياسية” ومحاولة لشراء ولاء الشعب والجيش في عصور المؤامرات الكبرى!
“التوسعة”: الرشوة السياسية التي أسعدت الشعب!
في العصور الإسلامية الأولى (الأموي والعباسي)، لم يكن مصطلح “العيدية” معروفاً. ظهرت هذه العادة لأول مرة وبشكل رسمي في مصر خلال عصر الدولة الفاطمية. الفاطميون، كما ذكرنا سابقاً، كانوا أساتذة في استخدام الاحتفالات للتقرب من الشعب المصري السُني وكسب ولائهم. أطلق الفاطميون على هذه الأموال اسم “التوسعة” أو “الرسوم”.
كان الخليفة الفاطمي ينثر الدنانير الذهبية والدراهم الفضية على كبار قادة الجيش، ومقرئي القرآن، والفقهاء، وعامة الشعب الذين يصطفون في موكبه صباح يوم العيد. كانت تُقدم مع “كسوة العيد” (ملابس جديدة فخمة)، لدرجة أن ميزانية الدولة كانت تخصص أرقاماً فلكية لهذه “التوسعة” لضمان عدم خروج أي ثورات ضد الخليفة.
المماليك و”الجامكية”: العيدية تتحول إلى راتب!
عندما سقطت الدولة الفاطمية وجاء عصر المماليك، كانت عقلية الحكام عسكرية بحتة. لم يلغوا العيدية، لكنهم أطلقوا عليها اسماً غريباً وهو “الجامكية” (وهي كلمة فارسية تعني راتب أو مخصص مالي للملابس). في صباح العيد، كان السلطان المملوكي يجلس على كرسيه، ويتقدم الأمراء والجنود لتهنئته، فيمنحهم “الجامكية” في أطباق من الفضة تُقدم لهم مع الحلوى. وكانت تختلف قيمة الجامكية حسب رتبة الأمير أو الجندي.
النزول من القصور إلى جيوب الأطفال
مع مرور الزمن، وانهيار الدول العظمى، وتدهور الاقتصاد في العصر العثماني ثم عصر أسرة محمد علي، لم تعد الدولة قادرة على توزيع الأموال والذهب على الشعب. لكن “العادة” كانت قد تجذرت في النفوس. فماذا فعل المصريون؟ أخذوا هذه العادة السلطانية، ونقلوها من “القصور” إلى “البيوت”. بما أن الأب هو “سلطان العائلة”، فقد أصبح هو المطالب بتوزيع “التوسعة” أو “الجامكية” على رعيته (أطفاله وزوجته). وتغير الاسم تدريجياً في لغة الشارع ليصبح “العيدية” (نسبة إلى العيد).
في “أصل الحكاية”، ندرك أن العيدية التي ننتظرها اليوم هي بقايا تقليد سياسي ملكي كان يُصرف بالدنانير الذهبية. العيدية ليست مجرد أوراق نقدية نشتري بها الألعاب، بل هي تذكار متوارث من عصور كان فيها الحكام يتسابقون لإسعاد شعوبهم في يوم العيد. لذا، في العيد القادم، عندما تمنح طفلك عيديته، تذكر أنك تمارس دور “السلطان” الذي يوزع مكرماته على رعيته ليعم الفرح في بيته!