في أي سرادق عزاء مصري، وبمجرد أن تجلس على الكرسي لتقديم واجب المواساة، يتقدم نحوك رجل يحمل صينية نحاسية، ويضع أمامك فنجاناً صغيراً من القهوة السوداء، شديدة المرارة، وبدون ذرة سكر واحدة (قهوة سادة). نرتشفها ونحن نُعزي أنفسنا بأن مرارة المشروب تتناسب مع مرارة الفقد والموت.
نحن نعتبر هذا الطقس من بديهيات الحزن في ثقافتنا، ولكن.. هل سألت نفسك يوماً: من الذي قرر أن القهوة هي “المشروب الرسمي للموت”؟ ولماذا نُصر على تجريدها من السكر في هذا الموقف تحديداً؟ لماذا لا نشرب شاياً بدون سكر مثلاً؟
في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، سننزع الغطاء عن فنجان القهوة السادة، لنكشف لك أن هذا المشروب لم يدخل مصر كضيافة عادية، بل دخل كـ “مشروب محرم شرعاً”، وأن ارتباطه بالعزاء ومرارة الفقد لم يأتِ من فراغ، بل وُلد من رحم واحدة من أعجب الصدامات الدموية في تاريخ قاهرة المعز: “ثورة البن”!
مشروب المتصوفة: البداية البريئة لنفهم القصة، يجب أن نعود إلى القرن السادس عشر الميلادي. لم تكن القهوة معروفة في مصر، حتى جلبها طلاب العلم اليمنيون القادمون للدراسة في الأزهر الشريف. كان هؤلاء الطلاب، وخاصة المتصوفة منهم، يشربون مغلي حبوب البن ليلاً ليمنحهم النشاط والسهر لقيام الليل وتلاوة الأوراد وحلقات الذكر. انتشر المشروب السحري الأسود بين المصريين بسرعة البرق، وبدأت تُفتح له محلات تُسمى “بيوت القهوة” (المقاهي). وكان الناس يجتمعون فيها للشرب، والحديث، وسماع الشعراء.
التحريم والتكفير: القهوة خمر العصر! هنا، بدأت الكارثة. مع انتشار بيوت القهوة، وتجمع الناس فيها بدلاً من المساجد، ثار غضب بعض رجال الدين المتشددين. وفي عام 1572م، اعتلى خطيب أزهري متشدد يُدعى “الشيخ أحمد بن عبد الحق السنباطي” منبر المسجد، وأطلق فتوى زلزلت مصر: “القهوة مُسكرة ومُحرمة شرعاً كالخمر تماماً، ومن يشربها آثم، ومن يبيعها عاصٍ!”.
لم يكتفِ الشيخ السنباطي بالفتوى، بل قاد حملة تحريضية شرسة. وفي إحدى خطب الجمعة، استثار مشاعر المصلين، فخرجت الجموع الغاضبة من الجامع الأزهر في مشهد هستيري، وهجموا على جميع “بيوت القهوة” في القاهرة. قاموا بتكسير الأواني الفخارية، وتمزيق أجولة البن في الشوارع، وضربوا كل من وجدوه يشرب القهوة!
الجمعة الدامية: شهيد الفنجان! لم يسكت تجار البن وعشاق القهوة على خراب بيوتهم ومزاجهم. تجمعوا وحاصروا المسجد الذي يتحصن فيه الشيخ السنباطي وأنصاره. تحول الصدام الفكري إلى معركة دموية في شوارع القاهرة، واشتبك الطرفان بالأسلحة البيضاء والعصي.
وفي ذروة هذه الفوضى التي سُميت تاريخياً بـ “ثورة البن”، سقط أحد تجار القهوة قتيلاً غارقاً في دمائه! تدخلت السلطات العثمانية الحاكمة آنذاك (بعد أن وصل الأمر للسلطان في إسطنبول)، وأصدروا فتوى مضادة تبيح شرب القهوة، وقاموا بتفريق المتظاهرين، وعينوا حراسة على المقاهي لتعود الأمور إلى طبيعتها.
سر ارتباط القهوة “السادة” بالموت إذا كانت السلطة قد أباحت القهوة، فكيف ارتبطت بالمآتم؟ السر يكمن في “القتيل” الذي سقط دفاعاً عن القهوة. في العزاء الذي أُقيم لهذا التاجر، قرر أصدقاؤه وتجار البن أن يقدموا “القهوة” لجميع المعزين كتحدٍ صريح للفتوى التي حرمتها، وتخليداً لذكرى صديقهم الذي مات بسببها. ولكن، احتراماً لجلال الموت، ولأن القهوة في المقاهي كانت تُشرب مُحلاة (أو مع التمر) بغرض الترفيه والسمر، قرروا تقديمها في العزاء “سادة” (خالية تماماً من أي سكر).
كانت الرسالة النفسية والاجتماعية العبقرية هي: “نحن نقدم هذا المشروب المثير للجدل، لكننا جردناه من كل وسائل الترفيه واللذة (السكر)، لنؤكد أنه هنا ليس لجلسات السمر، بل للصبر، والسهر بجوار أهل الميت، وتجرع مرارة الفقد!”.
أنت تحتسي التاريخ نجحت هذه الحيلة النفسية، وارتبطت القهوة المُرة (السادة) بـ “الوقار والحزن” في العقل الجمعي المصري. ومع مرور القرون، نُسيت ثورة البن، ونُسي الشيخ السنباطي، ولكن “الفنجان السادة” استقر في سرادقات العزاء كدستور لا يُخالف.
في “أصل الحكاية”، نكتشف أن الأشياء التي نتذوقها اليوم تحمل في طياتها دماءً وصراعاتٍ قديمة. في المرة القادمة التي تذهب فيها لتقديم واجب العزاء، وترتشف ذلك الفنجان شديد المرارة، تذكر أنك لا تشرب مجرد بن وماء، بل تشرب تاريخاً من التمرد، ومشروباً كاد أن يُحرم للأبد لولا دماء سُفكت في شوارع القاهرة القديمة لإنقاذه!