في تاريخ مصر الطويل، تعاقب على عرشها ملوك وحكام من كل صنف ولون؛ منهم العادل، ومنهم الطاغية، ولكن هناك حاكم واحد فقط استحق وبجدارة لقب “أغرب من حكم مصر في تاريخها”. رجل جعل من القاهرة مسرحاً لقرارات لا يصدقها عقل، ثم قرر أن يختم حياته بأكثر مشهد درامي وغامض يمكن أن تتخيله؛ لقد “تبخر” ببساطة، ولم يعثر له أحد على أثر حتى يومنا هذا!
في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح أرشيف الدولة الفاطمية، لنغوص في عقل الخليفة “الحاكم بأمر الله”. كيف قلب حياة المصريين رأساً على عقب؟ ولماذا صعد إلى جبل المقطم في ليلة شتوية باردة ليختفي كأنه شبح؟
قوانين من عالم آخر: الليل نهار والنهار ليل!
تولى الحاكم بأمر الله الخلافة وهو طفل، وعندما اشتد عوده، بدأ يصدر مراسيم وقوانين جعلت أهالي القاهرة يضربون كفاً بكف. أول قراراته العجيبة كان “قلب نظام الكون”؛ أمر بأن تُغلق الأسواق والمحلات نهاراً، وأن ينام الناس في ضوء الشمس، وتُفتح الأسواق وتُضاء الشوارع وتعود الحياة للعمل ليلاً فقط! وظل المصريون يعيشون كـ “الخفافيش” لسنوات تنفيذاً لأمره.
ثم انتقل إلى المطبخ المصري، فمنع أكل “الملوخية” منعاً باتاً (لأنها كانت الأكلة المفضلة لمعاوية بن أبي سفيان)، ومنع أكل الجرجير والسمك الذي لا قشر له. بل ووصل به الأمر إلى ذبح كل الكلاب في القاهرة لأن نباحها كان يزعجه.
حبس النساء لـ 7 سنوات كاملة!
أما القرار الأكثر رعباً، فكان يخص نساء مصر. في لحظة غضب، أصدر الحاكم مرسوماً يمنع خروج أي امرأة من بيتها نهاراً أو ليلاً، لأي سبب كان! ولكي يضمن تنفيذ قراره بطريقة عبقرية ومجنونة في نفس الوقت، لم يضع حراساً على البيوت، بل استدعى جميع “صناع الأحذية” في مصر، وأمرهم بمنع صناعة أو بيع أي أحذية نسائية! ظلت نساء القاهرة حبيسات الجدران لسبع سنوات متواصلة، حتى أن بعضهن لم يخرج إلا محملاً في كفنه إلى القبر.
الرحلة الأخيرة: لغز جبل المقطم
رغم هذه القسوة والجنون، كان الحاكم بأمر الله يميل للتصوف والعزلة. كان يعشق ركوب حماره الرمادي الذي أسماه “قمر”، والصعود به منفرداً وبدون حراسة إلى تلال جبل المقطم ليتأمل النجوم في منتصف الليل.
في ليلة 27 شوال عام 411 هـ (1021م)، خرج الحاكم كعادته ليمتطي حماره نحو المقطم، ومعه خادمان فقط. في منتصف الطريق، أمر الخادمين بالانتظار، وتوغل هو وحماره في ظلام الجبل الموحش. مرت الليلة، وطلع النهار، ولم يعد الخليفة!
الدليل المرعب: ملابس ملطخة بالدماء ومخيطة!
أُصيبت قصر الخلافة بالذعر. خرجت أخته “ست الملك” بجيش من الجند للبحث عنه في جبال المقطم. وبعد أيام من البحث المضني، وجدوا حمار الخليفة مذبوحاً وملقى بين الصخور. وعلى بُعد خطوات، وجدوا الدليل الذي زاد اللغز رعباً؛ ملابس الحاكم بأمر الله ملقاة على الأرض، وعليها آثار دماء.. ولكن المفاجأة أن ملابسه كانت “مزررة” (أي أزرارها مغلقة ومخيطة عليه بخيوط من الصوف)! كيف خُلع قميصه وهو مغلق الأزرار دون أن يُمزق؟ وأين اختفت جثته؟
الحاكم الذي لم يمت في عقول مريديه
قُيدت الحادثة ضد مجهول، رغم أن أصابع الاتهام التاريخية تشير إلى أخته “ست الملك” بأنها دبرت اغتياله لإنقاذ الدولة من جنونه، وأخفت جثته ببراعة. لكن الغموض الذي أحاط باختفائه جعل بعض طوائفه (مثل الدروز) يعتقدون أنه لم يمت، بل “غاب” وسيعود يوماً ما.
في “أصل الحكاية”، سيظل لغز الحاكم بأمر الله واحداً من أشد القصص تعقيداً في تاريخنا. رجل امتلك سلطة مطلقة، فجربها في كل شيء حتى في تغيير مسار الشمس ومزاج المصريين، لتنتهي حكايته في بطن جبل صامت، ابتلع سره إلى الأبد.