تخيل أن تخرج في صباح يوم عادي لتبحث عن ماعز شاردة من قطيعك، فتتعثر قدمك لتسقط في حفرة مظلمة.. وعندما تشعل عود ثقاب لترى ما حولك، تجد نفسك وجهاً لوجه أمام أعظم ملوك الأرض، نائمين في توابيتهم الذهبية، وتحيط بهم كنوز تكفي لشراء دولة بأكملها!
هذا المشهد ليس مطلعاً لرواية خيالية، بل هو اللحظة الدقيقة التي غيرت تاريخ مصر للأبد. في قسم “قصص حقيقية” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح أرشيف القرن التاسع عشر، لنروي لكم أسطورة “عائلة عبد الرسول”؛ قصة الإخوة الذين حولوا أعظم ملوك الفراعنة إلى “مصدر دخل شهري”، ولعبوا لعبة الموت والذكاء مع البوليس لمدة 10 سنوات كاملة في واحدة من أشد القصص المصرية إثارة ودراما.
الصدفة العمياء: الماعز التي كشفت السر الأعظم
في عام 1871، في قرية “القرنة” القابعة في حضن جبال الأقصر، كان الأخوان “أحمد ومحمد عبد الرسول” يعيشان حياة قاسية كباقي أهالي القرية الذين احترفوا قديماً التنقيب السري عن الآثار. في أحد الأيام، شردت ماعز من قطيع أحمد وهربت نحو منحدر صخري وعر في منطقة “الدير البحري”. صعد أحمد خلفها، لكن الماعز اختفت وكأن الأرض ابتلعتها. اقترب أحمد من حافة صخرية ولاحظ وجود شق عميق ومظلم.
أحضر أحمد حبلاً متيناً وطلب من أخيه محمد أن ينزله في البئر المظلم للبحث عن الماعز. نزل أحمد لمسافة تقارب 12 متراً تحت الأرض، وهناك، اشتم رائحة نفاذة للبخور والراتنجات القديمة. زحف في ممر ضيق، وما إن أضاء مشعله، حتى تسمر في مكانه من الرعب والصدمة! لم يجد الماعز، بل وجد أكثر من 40 تابوتاً خشبياً وذهبياً ضخماً متراصة فوق بعضها البعض، ومكدسة بآلاف التماثيل، والبرديات، والمجوهرات. لقد تعثر الأخوان بالصدفة البحتة في “الخبيئة الملكية”؛ المكان السري الذي قام كهنة الفراعنة بنقل مومياوات الملوك إليه قديماً لحمايتها من لصوص المقابر. لقد كان أحمد يقف حرفياً وسط “رمسيس الثاني، وسيتي الأول، وأحمس طارد الهكسوس”!
قسم الدم: 10 سنوات من الثراء الفاحش والسرية التامة
أدرك الإخوة عبد الرسول حجم الكنز الذي وقع في أيديهم. اجتمعت العائلة في سرية تامة، وأقسموا على القرآن الكريم ألا يخرج هذا السر لأي مخلوق. كانوا في قمة الدهاء؛ لم يبيعوا الكنز دفعة واحدة حتى لا يثيروا الشكوك. كانت الخطة هي أن ينزلوا إلى الخبيئة مرة واحدة فقط كل بضعة أشهر، يأخذون بعض القطع الذهبية الصغيرة، أو تماثيل “الأوشابتي”، أو برديات نادرة، ويبيعونها لتجار الآثار الأجانب في الخفاء.
بفضل هذا الكنز، تحولت عائلة عبد الرسول إلى أغنى عائلات الأقصر. اشتروا الأراضي الشاسعة، والمواشي، والبيوت، وعاشوا كالملوك لمدة 10 سنوات كاملة، وكل هذا بفضل “مصروف الجيب” الذي كانوا يأخذونه من جيوب الفراعنة النائمين تحت الأرض!
لعبة القط والفأر: رئيس المخابرات الأثرية يتدخل
في باريس والقاهرة، بدأ علماء الآثار يلاحظون شيئاً مرعباً. هناك قطع أثرية فريدة، وبرديات ملكية لم يسبق لها مثيل، تظهر فجأة في أسواق الآثار المهربة في أوروبا! تولى العالم الفرنسي “جاستون ماسبيرو” (رئيس مصلحة الآثار المصرية وقتها) التحقيق. أدرك ماسبيرو أن هناك مقبرة ملكية ضخمة يتم نهبها بانتظام. فقرر استخدام أسلوب المخابرات؛ أرسل مفتش آثار شاب وذكي يُدعى “تشارلز ويلبور” كعميل سري إلى الأقصر، متخفياً في صورة سائح أجنبي ثري يبحث عن الآثار.
نجح العميل السري في الإيقاع بأحد تجار الآثار المحليين، ومن خلاله، وصل الخيط إلى اسم واحد فقط: “عائلة عبد الرسول”.
غرفة التعذيب وانهيار الأخ الأكبر
في عام 1881، داهمت الشرطة المصرية منزل “أحمد عبد الرسول” (الأخ الأكبر) وتم القبض عليه. تم ترحيله إلى قنا، وهناك تعرض لأبشع أنواع التعذيب والجلد من قبل “داود باشا” (مدير مديرية قنا) لإجباره على الاعتراف بمكان الخبيئة. لكن الصعيدي العنيد “أحمد” صمد كالجبل. تحمل الجلد والتعذيب لشهرين كاملين، ولم ينطق بحرف واحد! وأمام هذا الصمود، وبسبب عدم وجود أدلة قاطعة، اضطرت الشرطة للإفراج عنه.
عاد أحمد إلى القرية مرفوع الرأس، لكنه عاد بقلب مليء بالشك والطمع. طلب من عائلته زيادة حصته من الكنز تعويضاً عن التعذيب الذي تحمله، فرفض إخوته ونشبت بينهم خلافات حادة وصلت إلى حد التهديد بالقتل.
الخيانة والاعتراف: نهاية الأسطورة
الضغط النفسي، الخوف من وشاية الأخ الأكبر، والرعب من عودة البوليس، دمر أعصاب الأخ الأصغر “محمد عبد الرسول”. في ليلة مظلمة، حسم محمد قراره، وتسلل من القرية، وذهب مباشرة إلى مكتب مأمور قنا، واعترف بكل شيء!
في 6 يوليو 1881، وصل “إميل بروجش” (مساعد ماسبيرو) إلى الأقصر على رأس قوة من البوليس. قادهم “محمد عبد الرسول” إلى الجبل، ونزل بروجش إلى البئر المظلمة. عندما أضاء بروجش الممر، خرّ على ركبتيه باكياً غير مصدق لما تراه عيناه! لقد وجد نفسه أمام التاريخ وجهاً لوجه. استغرق العمال 48 ساعة متواصلة من العمل الشاق لإخراج التوابيت والمومياوات إلى السطح.
مشهد الوداع الذي أبكى التاريخ
لكن القصة لم تنتهِ هنا، بل انتهت بمشهد سينمائي لا يمكن أن يُمحى من الذاكرة. عندما تم تحميل المومياوات الملكية على المراكب الشراعية في نهر النيل لنقلها إلى متحف القاهرة، حدث شيء عجيب. اصطف آلاف الفلاحين والفلاحات من أهالي الأقصر والقرى المجاورة على ضفتي النيل لتوديع أجدادهم الملوك! وقفت النساء تصرخ وتشق الجيوب وتنثر التراب على رؤوسهن (كما كانت تفعل النساء في مصر القديمة تماماً)، بينما أطلق الرجال أعيرة نارية في الهواء تحية عسكرية ووداعاً مهيباً للملوك الذين غادروا أرضهم بعد أكثر من 3000 عام من السبات.
في “أصل الحكاية”، نتأمل قصة عائلة عبد الرسول لندرك أن التاريخ يكتبه أحياناً اللصوص قبل العلماء. لولا طمع هذه العائلة وحفاظها على سر الخبيئة لعشر سنوات، لربما وصل إليها لصوص آخرون ودمروا المومياوات بالكامل بحثاً عن الذهب، كما حدث في مئات المقابر الأخرى. لقد كانوا لصوصاً نعم، لكنهم كانوا – دون أن يدركوا – الحراس السريين الذين سلمونا أعظم كنز أثري في تاريخ البشرية سليماً ومحفوظاً، لتبقى هذه القصة واحدة من أعجب مفارقات القدر في التاريخ المصري.