إذا سألتك عن التهمة أو الشتيمة الأكثر شيوعاً في شوارعنا للتعبير عن الغباء أو قلة الفهم، ستكون الإجابة بلا تفكير: “يا حمار!”. ولكن، ماذا لو أخبرتك أن هذا اللقب تحديداً كان وساماً على صدر أعظم عقول مصر في القرن العشرين؟ ماذا لو عرفت أن عميد الأدب العربي “طه حسين”، وعبقري الأدب “عباس محمود العقاد”، ورائد المسرح “زكي طليمات” كانوا يفتخرون بمناداتهم بلقب “حمار”؟
في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح أرشيف الثلاثينيات لنكشف لكم قصة “جمعية الحمير المصرية”؛ التنظيم الأغرب، والأكثر سخرية، والأعمق فلسفة في تاريخ الحياة الثقافية المصرية. كيف بدأت؟ وما هي شروط الانضمام القاسية التي جعلت كبار الفن والأدب يتسابقون للحصول على لقب “جحش”؟
بداية الحكاية: غضبة فنان ضد الملك!
تعود جذور هذه القصة العجيبة إلى عام 1930. في ذلك الوقت، عاد الفنان ورائد المسرح المصري “زكي طليمات” من بعثته الفنية في باريس، محملاً بأحلام كبيرة لتأسيس أول “معهد للفنون المسرحية” في مصر والشرق الأوسط. وبالفعل، نجح في إقناع الحكومة بإنشاء المعهد.
ولكن، سرعان ما اصطدم الحلم بصخرة الواقع. تدخلت أطراف سياسية، وأصدر الملك فؤاد الأول قراراً بإغلاق المعهد خوفاً من أن يصبح المسرح منبراً لتوعية الشعب وانتقاد السلطة. أُصيب زكي طليمات بإحباط شديد، ولكنه لم يستسلم. وفي لحظة يأس ممزوجة بعبقرية ساخرة، قرر تأسيس جمعية سرية لمواجهة هذا التعنت، واختار لها اسماً يصدم الجميع: “جمعية الحمير”.
لماذا الحمار تحديداً؟ فلسفة الصبر والعناد
لم يكن اختيار اسم “الحمار” مجرد نكتة عابرة، بل كان يحمل رسالة فلسفية عميقة جداً. برر زكي طليمات اختياره بأن الحمار هو الكائن الوحيد الذي يتحمل الصعاب، ويصبر على المشقة والأحمال الثقيلة دون أن يشكو أو يتذمر. ورغم كل ما يتعرض له من ضرب وإهانة، فإنه يواصل طريقه بعناد شديد للوصول إلى هدفه.
كان طليمات ورفاقه يرون أنفسهم في تلك المرحلة كالحمير؛ يتحملون عبء الجهل المجتمعي، وقمع السلطة، ويصبرون من أجل النهوض بالفن والثقافة في مصر. كانت الجمعية صرخة سخرية في وجه مجتمع يرفض التنوير.
شروط العضوية والألقاب: من “جحش” إلى “حمار أكبر”
لم تكن جمعية الحمير مجرد مقهى يجتمع فيه الأصدقاء، بل كانت تنظيماً له هيكل إداري، وشروط قاسية للانضمام، وألقاب رسمية تُمنح للأعضاء وتتدرج حسب مجهودهم!
- الرتبة الأولى (جحش): أي عضو جديد ينضم للجمعية يبدأ بلقب “جحش”. وعليه أن يثبت جدارته وصبره لسنوات قبل أن يتم ترقيته.
- الرتبة الثانية (حمار صغير): يحصل عليها العضو بعد اجتياز مهام معينة في خدمة أهداف الجمعية.
- الرتبة الثالثة (صاحب الحدوة): وهي رتبة شرفية للمتميزين.
- الرتبة العليا (الحمار الأكبر): وهو رئيس الجمعية، وقد احتفظ زكي طليمات بهذا اللقب لسنوات طويلة، وكان يفتخر به في كل المحافل.
الأكثر طرافة هو “بروتوكول” التعامل بين الأعضاء. كان من قوانين الجمعية الصارمة أنه عندما يلتقي عضوان في أي مكان عام، يجب ألا يلقيا التحية العادية، بل يجب أن يلتفتا لبعضهما ويصدرا صوت “النهيق” أو يحركا أرجلهما وكأنهما “يبرطعان” كنوع من إلقاء السلام السري!
أعضاء من العيار الثقيل: عباقرة بدرجة “حمير”
بمجرد الإعلان عن الجمعية بشكل غير رسمي، حدث ما لم يتوقعه أحد. بدلاً من أن يسخر الناس منها، تسابق كبار مفكري وفناني مصر للانضمام إليها دعماً لزكي طليمات وللفكرة نفسها.
شملت قائمة الأعضاء أسماء ترتج لها العقول:
- طه حسين (عميد الأدب العربي): الذي وجد في الفكرة سخرية لاذعة تليق بعقله الناقد.
- عباس محمود العقاد: الكاتب والمفكر الجبار، الذي لم يمانع في أن يحمل لقب الجمعية.
- توفيق الحكيم: الذي كان له عشق خاص للحمير، وكتب لاحقاً كتابه الشهير “حمار الحكيم”.
- نادية لطفي وشكري سرحان وأحمد رجب: وغيرهم العشرات من نجوم السينما والصحافة الذين افتخروا بعضويتهم.
حتى أن الكاتب الكبير “السيد بدير” صرح في أحد اللقاءات بأنه انتظر لسنوات طويلة وبذل مجهوداً خرافياً حتى تم ترقيته أخيراً من رتبة “جحش” إلى رتبة “حمار”!
التحول العظيم: من السخرية السياسية إلى العمل الخيري
مع مرور السنوات، وتغير الأوضاع السياسية في مصر بعد ثورة 1952، وإعادة افتتاح معهد الفنون المسرحية، لم يعد هناك مبرر سياسي لبقاء الجمعية بشكلها القديم. هنا، قرر الأعضاء تحويل الجمعية إلى “مؤسسة خيرية” رسمية!
قامت الجمعية بجهود جبارة في العمل المجتمعي، فقاموا بجمع التبرعات لبناء المستشفيات، وتجهيز المراكز الطبية في القرى الفقيرة، وتقديم المساعدات للمحتاجين. وكانوا ينظمون رحلات وحفلات يُخصص دخلها بالكامل للأعمال الخيرية. والمفارقة المضحكة أن وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية رفضت طويلاً تسجيل الجمعية رسمياً بسبب اسمها “المسيء”، حتى تم التوصل إلى تسوية بتغيير اسمها في الأوراق الرسمية، لكنها ظلت تُعرف شعبياً وتاريخياً بـ “جمعية الحمير”.
الدرس الذي تركته لنا حمير المثقفين
قد تبدو القصة اليوم كنكتة من زمن أبيض وأسود، لكنها تحمل في طياتها درساً عميقاً في كيفية تحويل الإحباط إلى طاقة إيجابية، وتحويل السخرية إلى سلاح لبناء المجتمع. في “أصل الحكاية”، نعيد إحياء هذه القصص المنسية لنثبت أن العبقرية المصرية كانت قادرة دائماً على الابتكار، حتى لو اضطرت لأن تطلق على نفسها أغرب الألقاب. ففي النهاية، ربما نحتاج جميعاً في بعض الأوقات إلى صبر “الحمار” وعناده لنصل إلى أحلامنا في عالم مليء بالعقبات.