في كتب التاريخ، نقرأ عن إمبراطوريات تسقط، ودول تنشأ، وثورات تغير مجرى الزمن. ولكن، هل قرأت يوماً عن مدينة صغيرة هادئة، تقع في قلب الدلتا، تقرر فجأة وبدون أي مقدمات أن تنفصل عن دولتها، وتعلن استقلالها التام لتصبح “جمهورية” ذات سيادة، برئيس، وعلم، وجيش، وقوانين خاصة بها؟
لا، نحن لا نتحدث عن قصة خيالية من روايات أمريكا اللاتينية، بل نتحدث عن حكاية مصرية خالصة، حدثت أبطالها من الفلاحين والطلبة والمثقفين. في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح أرشيف ثورة 1919 لنروي لكم المعجزة التي سُطرت في محافظة الغربية: قصة “جمهورية زفتى”، وكيف جعلت هذه المدينة الصغيرة بريطانيا العظمى تفقد صوابها!
الشرارة: عندما غضب المصريون من أجل “سعد”
في 8 مارس 1919، ارتكبت سلطات الاحتلال البريطاني في مصر خطأً فادحاً أدى إلى انفجار بركان الغضب المصري؛ فقد قامت بالقبض على الزعيم “سعد زغلول” ورفاقه ونفتهم إلى جزيرة مالطا. في اليوم التالي، اشتعلت القاهرة بمظاهرات الطلبة، وسرعان ما امتدت نيران الثورة إلى كل شبر في مصر.
في مدينة “زفتى” بمحافظة الغربية، كانت الأخبار تصل متأخرة قليلاً، ولكن عندما وصل خبر النفي، كان الرد مختلفاً تماماً عن أي مدينة أخرى. لم يكتفِ أهل زفتى بالمظاهرات والهتافات، بل قرروا اتخاذ خطوة مجنونة وعبقرية في نفس الوقت: “إذا كانت بريطانيا تحتل مصر، فنحن سنحرر زفتى من بريطانيا ومن مصر المحتلة، ونعلنها جمهورية مستقلة!”.
ميلاد الجمهورية: يوسف الجندي رئيساً
كان العقل المدبر لهذه الحركة هو شاب جامعي يُدعى “يوسف الجندي”، طالب في كلية الحقوق، يتمتع بكاريزما طاغية وروح وطنية مشتعلة. في 18 مارس 1919، اجتمع يوسف مع كبار أعيان زفتى، ومشايخها، والشباب، واتفقوا على إعلان الانفصال.
في مشهد سينمائي مهيب، توجه الشباب إلى مركز شرطة زفتى. هل حدثت معركة دموية؟ المدهش أن مأمور المركز، الضابط “إسماعيل حمدي”، عندما رأى الحشود واستمع لمطالبهم، خلع الطربوش الميري، وانضم للثوار، وسلمهم المركز والأسلحة بابتسامة عريضة!
في تلك اللحظة التاريخية، أُعلن رسمياً ميلاد “جمهورية زفتى”. وتم تشكيل “لجنة الثورة” التي حكمت المدينة، واختير الشاب يوسف الجندي ليكون أول (وآخر) رئيس للجمهورية.
دولة كاملة الأركان: علم، وجيش، وصحيفة رسمية
لم يكن الأمر مجرد حماس شبابي وعشوائية، بل تم إدارة “الجمهورية” بمنتهى الاحترافية:
- الجيش ولجان الأمن: تم تشكيل لجان شعبية مسلحة لحراسة مداخل ومخارج المدينة، ولجان أخرى لجمع التبرعات من الأعيان لتمويل تسليح وإطعام “الجيش الزفتاوي”.
- العلم الجديد: صمم الثوار علماً خاصاً بجمهوريتهم، وكان يحمل شعار الهلال والصليب تعبيراً عن التلاحم المذهل بين المسلمين والأقباط في المدينة.
- صحيفة الجمهورية: استولى الثوار على المطبعة المحلية، وأصدروا جريدة رسمية باسم “جمهورية زفتى”، وكانت تُطبع وتوزع يومياً لنشر البيانات والأوامر الثورية، ورفع الروح المعنوية للأهالي.
- السيطرة على الاتصالات: قام الثوار بقطع خطوط السكك الحديدية، وتدمير خطوط التلغراف التي تربط زفتى بالقاهرة، وعزلوا المدينة تماماً عن العالم الخارجي وعن سلطة الاحتلال.
الرعب في لندن: إمبراطورية تحارب مدينة!
عندما وصلت الأخبار إلى المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أُصيب بالجنون. كيف لمدينة زراعية صغيرة أن تهين التاج البريطاني بهذا الشكل؟ وكيف ستكون العواقب إذا قلدت باقي المدن المصرية نموذج “زفتى”؟
أصدرت القيادة البريطانية أوامر فورية بإرسال قوة عسكرية ضخمة من القوات الأسترالية (التي كانت تحارب مع الإنجليز) مدججة بالمدافع والرشاشات للقضاء على التمرد، وإبادة الجمهورية الوليدة وتسويتها بالأرض.
الخدعة العبقرية: سلاح الطين والمياه!
علم الثوار في زفتى بقدوم القوات البريطانية. بالطبع، لم تكن بنادق الصيد القديمة والعصي قادرة على صد مدافع الإمبراطورية. وهنا تجلت العبقرية المصرية في استخدام “طبيعة الأرض” كسلاح.
لجأ الأهالي إلى خطة أشبه بخطط الجيوش الكبرى؛ قاموا بفتح بوابات الترع والمصارف الزراعية المحيطة بالمدينة، وأغرقوا الأراضي بالكامل. عندما وصلت القوات البريطانية بمركباتها الثقيلة ومدافعها، غاصت بالكامل في بحر من “الطين والوحل”! تعطلت المركبات، وأصبح الجنود الإنجليز والأستراليون عاجزين عن التقدم خطوة واحدة، بينما كان فلاحو زفتى يطلقون عليهم النيران من بعيد، ليجبروا الإمبراطورية العظمى على التراجع في ذل وانكسار.
النهاية المشرفة لجمهورية زفتى
استمرت جمهورية زفتى صامدة لعدة أيام، وأصبحت أيقونة للثورة في كل ربوع مصر. وفي النهاية، اضطرت بريطانيا لإرسال قوات أكبر بكثير عبر نهر النيل باستخدام القوارب المسلحة.
وعندما أدرك “يوسف الجندي” ورفاقه أن المواجهة المباشرة ستؤدي إلى إبادة أهل المدينة وتدمير منازلهم، قرروا بذكاء حل “لجنة الثورة” سلمياً، وتسليم إدارة المدينة، وتهريب قادة الجمهورية (بما فيهم الرئيس يوسف الجندي) إلى خارج زفتى بمساعدة الأهالي الذين رفضوا الإرشاد عنهم رغم التهديدات البريطانية.
لم تعش “جمهورية زفتى” سوى أيام معدودات، ولم تحصل على اعتراف دولي، ولم تُسجل في الأمم المتحدة. لكنها حُفرت بحروف من نور في وجدان التاريخ المصري. في “أصل الحكاية”، نروي هذه القصة لنؤكد أن القوة الحقيقية لا تُقاس بعدد المدافع أو مساحة الأرض، بل بالإرادة الحرة لشعب يرفض الاستعباد. جمهورية زفتى لم تكن مجرد تمرد محلي، بل كانت بروفة مصغرة وحية لحلم استقلال مصر بالكامل، حلم بدأ من قلب الدلتا وأرعب إمبراطورية لم تكن تغيب عنها الشمس.