تخيل أن تقف أمام أعظم حضارة عرفتها البشرية؛ معابد شاهقة، أهرامات تخترق السماء، ومقابر مليئة بالذهب، وكل جدار فيها مغطى برسومات ورموز غريبة وطيور وعلامات لا يفهمها أحد. هكذا كان حال العالم مع الحضارة المصرية القديمة لأكثر من 15 قرناً! كانت مصر القديمة أشبه بكتاب مغلق وضاع مفتاحه، حتى جاءت صدفة بحتة في مدينة مصرية صغيرة لتغير مجرى التاريخ للأبد.
في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نعود بالزمن إلى عام 1799، لنعيش لحظة اكتشاف “حجر رشيد”، ونروي قصة الصراع العلمي الشرس، والماراثون العقلي الذي دار بين عباقرة أوروبا لفك طلاسم لغة الفراعنة، لنجيب على السؤال الأهم: كيف نطق الحجر؟ وهل كان العالم الفرنسي “شامبليون” هو البطل الوحيد في هذه الملحمة؟
ضربة فأس في قلعة قايتباي: اكتشاف يغير التاريخ
في يوليو 1799، كانت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت في ورطة حقيقية داخل مصر بعد تدمير أسطولها. أمر نابليون جنوده بتحصين القلاع الساحلية استعداداً لهجوم عثماني إنجليزي. في مدينة “رشيد” (التي تقع على مصب نهر النيل)، كان ضابط فرنسي شاب يُدعى “بيير فرانسوا بوشار” يشرف على أعمال ترميم وتوسعة “قلعة قايتباي” (التي أسماها الفرنسيون قلعة جوليان).
بينما كان الجنود يضربون بفؤوسهم لهدم جدار قديم، اصطدم فأس أحدهم بحجر أسود غير منتظم الشكل، يميل لونه إلى الرمادي الداكن (من حجر الجرانيت أو الجرانيتوديوريت). عندما نفض بوشار التراب عن الحجر، لاحظ شيئاً مذهلاً: الحجر ليس مجرد كتلة بناء، بل هو لوحة (مسلة صغيرة) نُحتت عليها ثلاثة نصوص بخطوط مختلفة تماماً، يفصل بينها خطوط أفقية. أدرك بوشار بذكائه العسكري والعلمي أنه عثر للتو على كنز قد لا يقدر بثمن، فأمر بنقله فوراً إلى المجمع العلمي المصري في القاهرة.
ما هو حجر رشيد؟ ولماذا صرخ العلماء فرحاً؟
عندما فحص علماء الحملة الفرنسية الحجر، أدركوا أنهم أمام “الكنز المفقود”. كان الحجر يزن حوالي 760 كيلوجراماً، ويحمل نصاً واحداً مكرراً بثلاث لغات (أو بالأصح তিনটি خطوط):
- الخط الهيروغليفي (في الأعلى): وهي الكتابة المقدسة للفراعنة، وتتكون من الرموز والرسومات التي انقطع استخدامها تماماً منذ القرن الرابع الميلادي.
- الخط الديموطيقي (في المنتصف): وهو الخط الشعبي أو الدارج الذي كان يستخدمه المصريون في الكتابات اليومية والمعاملات التجارية.
- اللغة اليونانية القديمة (في الأسفل): وهي اللغة التي كان يتحدث بها البطالمة (حكام مصر في ذلك الوقت)، وهي لغة معروفة ومقروءة تماماً لعلماء أوروبا.
كانت الفكرة العبقرية واضحة كالشمس: بما أن النص اليوناني موجود ومفهوم، وبما أنه يعبر عن نفس المعنى المكتوب بالهيروغليفية والديموطيقية، إذن يمكن استخدام النص اليوناني كـ “قاموس” لفك شفرة لغة الفراعنة! كان النص نفسه عبارة عن مرسوم ملكي صدر عام 196 قبل الميلاد، يُمجد الملك “بطليموس الخامس” ويُعفي الكهنة من بعض الضرائب.
غنائم الحرب: الحجر يرحل إلى لندن
لم يهنأ الفرنسيون باكتشافهم طويلاً. في عام 1801، استسلمت القوات الفرنسية في مصر للجيشين الإنجليزي والعثماني. ووفقاً لـ “معاهدة الإسكندرية”، تمت مصادرة جميع الآثار والكنوز التي جمعها العلماء الفرنسيون لصالح التاج البريطاني، وعلى رأسها حجر رشيد.
رغم محاولات العلماء الفرنسيين إخفاء الحجر أو تدميره لمنع الإنجليز من أخذه، إلا أن القائد الإنجليزي وضع يده عليه، وتم شحنه إلى إنجلترا ليُعرض في “المتحف البريطاني” منذ عام 1802 وحتى يومنا هذا، كأهم قطعة أثرية في المتحف بأكمله. ولكن لحسن الحظ، كان الفرنسيون قد صنعوا عدة نسخ (طبعات حبرية) من الحجر قبل تسليمه، لتشتعل شرارة السباق العلمي الأشرس في القرن التاسع عشر.
الماراثون العقلي: هل كان شامبليون هو البطل الوحيد؟
في المناهج الدراسية، يلتصق فك شفرة حجر رشيد باسم واحد فقط: جان فرانسوا شامبليون. ولكن الحقيقة التاريخية أن فك الشفرة كان مجهوداً تراكمياً شارك فيه عباقرة آخرون ظلمهم التاريخ:
1. الإسهامات العربية المنسية
قبل اكتشاف حجر رشيد بقرون، حاول العديد من العلماء العرب والمسلمين فك طلاسم الهيروغليفية. أبرزهم العالم “ابن وحشية” في القرن العاشر الميلادي، والذي وضع كتاباً بعنوان “شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام”، وأدرك فيه بحسه اللغوي أن بعض الرموز الهيروغليفية تمثل “أصواتاً حرفية” وليست مجرد صور للكلمات. هذه الحقيقة غابت عن الأوروبيين طويلاً.
2. العبقري الإنجليزي “توماس يونغ”
هو العالم والموسوعي الإنجليزي الذي كان المنافس الأول لشامبليون. قام يونغ بدراسة الحجر ولاحظ وجود رموز هيروغليفية محاطة بإطارات بيضاوية سُميت بـ “الخراطيش”. استنتج يونغ بذكاء أن هذه الخراطيش لا بد وأن تحتوي على أسماء الملوك والآلهة (مثل اسم بطليموس). ونجح بالفعل في تحديد بعض الحروف الصوتية، ووضع حجر الأساس الحقيقي لفك الشفرة، لكنه توقف عند حد معين معتقداً أن باقي الرموز هي مجرد صور تعبيرية لا تُنطق.
3. البطل الفرنسي “جان فرانسوا شامبليون”
كان شامبليون ظاهرة لغوية؛ فقد أتقن اللاتينية، واليونانية، والعبرية، والأهم من ذلك أنه أتقن اللغة القبطية (وهي التطور الأخير للغة المصرية القديمة). أخذ شامبليون اكتشافات توماس يونغ خطوة أبعد. من خلال مقارنة أسماء الملوك (بطليموس وكليوباترا) في خراطيش حجر رشيد ومسلات أخرى، تمكن من تحديد الحروف المشتركة بدقة.
لحظة الانتصار: “لقد وجدتها!”
كان التحدي الأكبر أمام شامبليون هو: هل اللغة الهيروغليفية هي لغة “أصوات” (مثل الأبجدية) أم لغة “صور” (كل صورة تعني كلمة)؟ في 14 سبتمبر 1822، وفي لحظة تجلي عبقرية، أدرك شامبليون أن الهيروغليفية هي مزيج معقد ورائع من الاثنين معاً؛ فهي تستخدم الرموز كأصوات (حروف) وكصور تعبيرية (مخصصات) في نفس الوقت!
وعندما استخدم معرفته العميقة باللغة القبطية لنطق الكلمات التي فك شفرتها، اكتشف أنها تتطابق تماماً. انطلق شامبليون من مكتبه يركض في شوارع باريس نحو مكتب شقيقه، وما إن دخل حتى صرخ قائلاً: “Je tiens l’affaire!” (لقد وجدتها!)، ثم سقط مغشياً عليه من فرط الإرهاق الانفعالي والعقلي، وظل طريح الفراش لخمسة أيام!
فك شفرة حجر رشيد لم يكن مجرد إنجاز لغوي، بل كان بمثابة “قبلة الحياة” التي أيقظت حضارة بأكملها من سباتها. بفضل هذه القطعة الحجرية، لم نعد ننظر إلى الأهرامات والمعابد كمجرد حجارة صماء، بل أصبحنا نقرأ صلوات الكهنة، وقصائد العشاق، وانتصارات الملوك، وحتى إضرابات العمال في مصر القديمة. في “أصل الحكاية”، نتأكد أن التاريخ لا يموت أبداً، بل ينتظر بصبر حتى يأتي من يمتلك المفتاح لفك شفرته واستنطاق أسراره.