لأكثر من أربعين عاماً، ارتبط اسما “ريا وسكينة” في أذهاننا بالضحكات الصافية، وإيفيهات عبد المنعم مدبولي، وسهير البابلي، وشادية في المسرحية الكوميدية الأشهر في تاريخ الفن المصري. ولكن، ماذا لو نحينا الكوميديا جانباً وبحثنا في دفاتر البوليس المصري لعام 1920؟ الصورة الحقيقية أبعد ما تكون عن الضحك؛ إنها لوحة قاتمة تفوح منها رائحة الدم، الخيانة، والجشع اللامحدود.
في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نأخذكم في جولة مرعبة داخل أزقة حي “اللبان” بالإسكندرية، لنعيد فتح ملف أخطر تشكيل عصابي نسائي عرفته مصر، ونروي القصة الحقيقية لنساء تجردن من كل مشاعر الإنسانية، وكن ينمن بدم بارد فوق جثث ضحاياهن!
الإسكندرية 1920: الفقر، الحرب، والبحث عن الذهب
لفهم كيف ظهرت عصابة ريا وسكينة، يجب أن نفهم الزمن الذي ظهرت فيه. كانت مصر قد خرجت للتو من الحرب العالمية الأولى، والكساد الاقتصادي يضرب البلاد بقسوة، والفقر والجوع يعتصران الطبقات الكادحة. وفي الإسكندرية المزدحمة بالعمال والهاربين من فقر الصعيد، كان هناك تقليد شعبي سائد بين النساء: “الذهب هو بنك المرأة”. كانت النساء يرتدين كل مدخراتهن في صورة “مصاغ” (غوايش، خلاخيل، وقلائد ذهبية ثقيلة) كنوع من الأمان للمستقبل.
هذا الذهب اللامع لفت انتباه الشقيقتين “ريا” و”سكينة” علي همام، اللتين جاءتا من الصعيد هرباً من الفقر، واستقرتا في الإسكندرية، حيث بدأتا في إدارة بيوت سرية للأعمال المنافية للآداب لتوفير لقمة العيش. ولكن، سرعان ما تحول النشاط إلى ما هو أبشع بكثير.
مسلخ النساء: كيف كانت تتم الجريمة؟
تكونت العصابة من ستة أفراد رئيسيين: ريا، سكينة، حسب الله (زوج ريا)، عبد العال (زوج سكينة)، بالإضافة إلى اثنين من البلطجية هما عرابي وحسن وعرابي وحكم. كانت خطة العمل مرعبة في بساطتها ووحشيتها:
- الطُعم: كانت ريا وسكينة تلعبان دور “الصياد”. تنزلان إلى أسواق الإسكندرية (مثل سوق زنقة الستات)، وتستهدفان النساء اللاتي يرتدين كميات كبيرة من الذهب. وبفضل قدرتهما العجيبة على الإقناع والكلام المعسول، تستدرجان الضحية إلى بيوتهن بحجة عرض أقمشة رخيصة، أو ترتيب لقاءات عاطفية، أو حتى لقراءة الطالع.
- الضيافة القاتلة: بمجرد دخول الضحية إلى الغرفة المجهزة (التي سُميت بغرفة المندرة)، يتم استقبالها بحفاوة وتقديم الخمر لها حتى تفقد تركيزها وتسترخي تماماً.
- كتم الأنفاس: هنا يبدأ دور الرجال. في لحظة متفق عليها، ينقض الرجال على الضحية؛ أحدهم يكتف يديها، والآخر يمسك بقدميها، بينما يقوم الثالث بوضع منديل مبلل على فمها وأنفها وكتم أنفاسها بقوة حتى تفارق الحياة دون أن تصدر صوتاً واحداً.
- المقبرة تحت السرير: لم تكن العصابة تتكبد عناء نقل الجثث. كانوا يخلعون بلاط الغرفة، يحفرون حفرة ضحلة، يدفنون الجثة بعد تجريدها من الذهب والملابس، ثم يعيدون البلاط إلى مكانه. والطامة الكبرى أن ريا وسكينة كانتا تنامان وتأكلان وتمارسان حياتهما الطبيعية فوق هذه المقابر الجماعية! وللتغطية على رائحة التحلل، كانتا تحرقان البخور بكميات هائلة يومياً.
السقوط: كيف انكشف السر المرعب؟
استمرت العصابة في نشاطها الدموي لحوالي عامين، ووصل عدد الضحايا الموثقين إلى 17 امرأة (ويُعتقد أن العدد الحقيقي أكبر بكثير). امتلأت أقسام الشرطة في الإسكندرية ببلاغات اختفاء النساء، وسادت حالة من الرعب والهلع بين الأهالي.
كانت نهاية العصابة عبارة عن سلسلة من الصدف القاتلة التي كشفت المستور في منتصف نوفمبر 1920:
- بلاغ العسكري: لاحظ عسكري دورية يُدعى “أحمد البرقي” انبعاث رائحة بخور كثيفة جداً ومريبة من غرفة سكينة، فقام بإبلاغ اليوزباشي (الضابط) إبراهيم حمدي.
- الصدفة التي فضحت كل شيء: في نفس التوقيت تقريباً، طلب مالك البيت الذي كانت تستأجره سكينة (في شارع مكوريس) من عامل ضرير أن يحفر في أرضية الغرفة لإصلاح ماسورة مياه بعد أن طرد سكينة لتأخرها في دفع الإيجار. وبينما كان العامل يحفر، اصطدم فأسه بعظم بشري!
- الجثة في الشارع: زاد الطين بلة عندما عثر عمال النظافة على بقايا جثة امرأة ملقاة في الطريق بالقرب من بيوت العصابة.
تجمعت هذه الخيوط في يد المحقق العبقري اليوزباشي “إبراهيم حمدي”، الذي أمر بحفر أرضيات كل الغرف التي سكنتها ريا وسكينة. لتكون الصدمة التي زلزلت مصر: استخراج الجثث المتحللة واحدة تلو الأخرى من تحت البلاط.
المحاكمة والإعدام: السابقة الأولى في تاريخ مصر
انهارت العصابة أمام التحقيقات، وبدأ كل فرد يتهم الآخر في محاولة يائسة للنجاة. كانت المحاكمة شعبية بامتياز، تجمهر فيها الآلاف من أهالي الإسكندرية الغاضبين خارج المحكمة للمطالبة بالقصاص.
في 16 مايو 1921، صدر الحكم الذي دخل التاريخ: الإعدام شنقاً لجميع أفراد العصابة الستة. وكانت المفاجأة الكبرى هي الحكم على ريا وسكينة؛ حيث كان القانون المصري في ذلك الوقت يمنع إعدام النساء مهما كانت جريمتهن. ولكن نظراً لبشاعة الجرائم، تم تعديل القانون خصيصاً ليتم تنفيذ حكم الإعدام فيهما، لتكونا أول امرأتين يُنفذ فيهما حكم الإعدام في تاريخ مصر الحديث في 21 و 22 ديسمبر 1921.
في “أصل الحكاية”، نتذكر قصة ريا وسكينة ليس كعمل فني كوميدي، بل كدرس تاريخي قاسٍ عن قاع المجتمع عندما يغيب عنه القانون وتطحنه الظروف الاقتصادية. سيظل حي اللبان شاهداً على أن أفظع الجرائم قد ترتكب خلف الأبواب المغلقة وبأيدي أشخاص يبتسمون في وجوهنا. ريا وسكينة لم تكونا مجرد أسطورة شعبية، بل كانتا كابوساً دموياً حقيقياً دفع ثمنه أرواح نساء بريئات كُتب عليهن الموت فقط لأنهن حلمن بالأمان في بريق الذهب.