تخيل أن تترك عائلتك وأصدقاءك في قرية صغيرة لتسافر في مهمة عمل طارئة، وحين تعود بعد بضع سنوات، تجد القرية بأكملها قد اختفت. لا توجد جثث، لا توجد آثار دماء أو قتال، بل حتى المنازل تم تفكيكها واختفت! والأثر الوحيد المتبقي هو كلمة واحدة غامضة محفورة على جذع شجرة.
هذا ليس سيناريو لفيلم هوليوودي، بل هو حدث تاريخي حقيقي وقع في أواخر القرن السادس عشر، ويُعرف باسم لغز “المستعمرة المفقودة” أو مستعمرة روانوك (Roanoke Colony). في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح صفحات هذا الملف الغامض لنبحث عن إجابة للسؤال الذي حير المؤرخين لأكثر من 400 عام: أين ذهب هؤلاء البشر؟
البداية: حلم “العالم الجديد” وتأسيس المستعمرة
بدأت القصة في عام 1587، عندما قررت إمبراطورية إنجلترا (في عهد الملكة إليزابيث الأولى) تثبيت أقدامها في “العالم الجديد” (أمريكا الشمالية). بدعم من النبيل والمستكشف “السير والتر رالي”، أبحرت مجموعة مكونة من 115 شخصاً (89 رجلاً، 17 امرأة، و11 طفلاً) لتأسيس أول مستعمرة إنجليزية دائمة على جزيرة “روانوك” (تقع حالياً في ولاية نورث كارولينا الأمريكية).
كان قائد هذه الرحلة هو الحاكم “جون وايت” (John White). استقرت المجموعة وبدأت في بناء المنازل والزراعة. وفي تلك الظروف القاسية، وُلدت أول طفلة إنجليزية على الأراضي الأمريكية، وهي “فرجينيا دير” (Virginia Dare)، حفيدة الحاكم جون وايت. بدا وكأن الحلم الإنجليزي يتحقق أخيراً.
الرحلة المشؤومة: العودة الاضطرارية إلى إنجلترا
لم تكن الحياة وردية كما تخيلها المستوطنون. سرعان ما بدأت المؤن تنفد، واشتدت برودة الشتاء، وتصاعدت التوترات والاشتباكات مع بعض القبائل الأصلية (الهنود الحمر) التي شعرت بالتهديد من هؤلاء الغرباء.
أمام هذا الوضع المأساوي، ألح المستوطنون على الحاكم “جون وايت” أن يعود بسفينته إلى إنجلترا لطلب الإمدادات والمؤن العاجلة، ثم العودة لإنقاذهم. ودّع وايت عائلته وحفيدته الرضيعة، ووعدهم بالعودة في أسرع وقت ممكن. واتفق معهم على شرط واحد قبل رحيله: “إذا أجبرتكم الظروف على مغادرة المستعمرة، احفروا اسم المكان الذي ستذهبون إليه على شجرة. وإذا كنتم في خطر، احفروا علامة الصليب الأقرب (X) فوق الاسم.”
لكن الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهي السفن. بمجرد وصول وايت إلى إنجلترا، اندلعت حرب طاحنة بين إنجلترا وإسبانيا (حرب الأرمادا الإسبانية). صادرت الملكة إليزابيث كل السفن المتاحة للمجهود الحربي، وعلق جون وايت في وطنه لمدة ثلاث سنوات كاملة، وقلبه يحترق قلقاً على عائلته في العالم الجديد.
الصدمة الكبرى: قرية أشباح وكلمة واحدة محفورة
في أغسطس 1590، تمكن جون وايت أخيراً من العودة إلى جزيرة روانوك في يوم ميلاد حفيدته الثالث. عندما اقتربت سفينته من الشاطئ، لم يجد أحداً في استقباله. لم تتصاعد أدخنة النيران من المداخن، وساد صمت مميت على المكان.
عندما دخل وايت إلى المستعمرة، وجد المشهد الذي صدمه وصدم التاريخ من بعده:
- اختفى جميع الـ 115 شخصاً تماماً.
- لم يتم تدمير المنازل، بل تم تفكيكها بعناية وأخذت أخشابها، مما ينفي نظرية الهجوم المفاجئ أو المذبحة السريعة.
- لم تُوجد أي جثث، أو هياكل عظمية، أو آثار دماء.
- الدليل الوحيد الذي وجده وايت كان كلمة “CROATOAN” (كرواتوان) محفورة بوضوح على أحد الأعمدة الخشبية للحصن، وحروف “CRO” محفورة على شجرة قريبة.
- والأهم من ذلك: لم تكن هناك علامة صليب (X)، مما يعني أنهم غادروا المكان طواعية ودون أن يكونوا تحت هجوم أو خطر مباشر.
النظريات: ماذا حدث لسكان روانوك؟
حاول وايت الإبحار نحو جزيرة “كرواتوان” (التي تبعد حوالي 80 كيلومتراً للجنوب، وتُعرف اليوم بجزيرة هاتيراس)، حيث تعيش قبيلة تحمل نفس الاسم وكانت صديقة للإنجليز. لكن عاصفة هوجاء ضربت سفينته وكادت أن تغرقها، فأجبره الطاقم على العودة إلى إنجلترا، ولم يعرف مصير عائلته أبداً.
ومنذ ذلك الحين، ظهرت العديد من النظريات لتفسير اللغز:
1. الاندماج مع قبيلة كرواتوان (النظرية الأقوى)
يعتقد معظم المؤرخين وعلماء الآثار اليوم أن المستوطنين، بعد أن يئسوا من عودة جون وايت ونفدت مؤنهم، قرروا تفكيك منازلهم والانتقال للعيش مع قبيلة كرواتوان الودودة. تندمج هذه النظرية مع تقارير لاحقة لمستكشفين إنجليز في القرن السابع عشر ذكروا رؤيتهم لهنود حمر في تلك المناطق يمتلكون عيوناً زرقاء وشعراً فاتحاً، ويتحدثون ببعض الكلمات الإنجليزية، مما يشير إلى تزاوج المستوطنين مع السكان الأصليين.
2. الإبادة على يد القبائل المعادية
تقترح نظرية أخرى أن المستوطنين حاولوا الانتقال إلى اليابسة الداخلية، وهناك اصطدموا بقبيلة “بوهاتان” (Powhatan) القوية والشرسة، والتي قامت بإبادتهم بالكامل لاحقاً، وتم إخفاء أثرهم.
3. محاولة العودة في قوارب صغيرة
يظن البعض أن المستوطنين صنعوا قوارب صغيرة من أخشاب منازلهم المفككة، وحاولوا الإبحار عائدين إلى إنجلترا بأنفسهم، ولكن المحيط الأطلسي الغادر ابتلعهم جميعاً في صمت.
4. هجوم القوات الإسبانية
بما أن إنجلترا وإسبانيا كانتا في حالة حرب، تقترح إحدى النظريات أن القوات الإسبانية التي كانت تسيطر على أجزاء من فلوريدا اكتشفت المستعمرة وقامت بأسر أو قتل جميع سكانها لمنع التمدد الإنجليزي في أمريكا.
رغم التقدم العلمي وإجراء فحوصات الحمض النووي (DNA) على أحفاد القبائل الأصلية في المنطقة لمحاولة العثور على أثر للجينات الإنجليزية، إلا أن النتائج لم تكن حاسمة قط. في “أصل الحكاية”، سيظل لغز “المستعمرة المفقودة” شاهداً على أن التاريخ قد يبتلع أمماً بأكملها دون أن يصدر صوتاً، وأن الطبيعة القاسية للعالم الجديد لم ترحم ضعف الإنسان. كلمة “كرواتوان” المحفورة على الشجرة ستبقى إلى الأبد الصرخة الصامتة الأخيرة لـ 115 روحاً تبخرت في ضباب التاريخ.