الكعبة المشرفة.. أقدس بقاع الأرض، وملاذ الأمن والسلام، حيث لا يُقطع شجرها، ولا يُروع طيرها، فما بالك بمن يطوفون حولها؟ ولكن، في صفحات التاريخ الإسلامي المظلمة، هناك يوم مشؤوم تحولت فيه ساحة الحرم المكي إلى بركة دماء، وتوقفت فيه شعائر الحج، ووقع ما لم يكن يتخيله عقل بشري: لصوص يقتحمون الكعبة، ويقتلعون “الحجر الأسود” من مكانه، ويهربون به ليبقى مفقوداً لأكثر من عقدين من الزمان!
في قسم “تاريخ وأسرار” على موقع “أصل الحكاية”، نفتح أبشع ملف جنائي وعقائدي في التاريخ المكي. من هم “القرامطة”؟ وكيف تجرأ قائدهم على الوقوف أمام الكعبة ليذبح آلاف الحجاج بدم بارد ويسرق الحجر الأسود؟
القرامطة: طائفة الرعب والدم
في أواخر القرن الثالث الهجري، ظهرت فرقة منشقة عن الإسماعيلية تُعرف بـ “القرامطة”، أسسوا دولتهم في منطقة “الأحساء” (شرق الجزيرة العربية / البحرين حالياً). كانت عقيدتهم خليطاً مرعباً من التطرف والعداء الشديد للخلافة العباسية. بالنسبة للقرامطة، كان شعيرة الحج مجرد “عبادة أوثان”، وكانوا يسخرون من الطواف حول الكعبة وتقبيل الحجر الأسود. قرر زعيمهم، الشاب الدموي “أبو طاهر الجنابي”، أن يوجه ضربة قاضية لقلب العالم الإسلامي لينهي هذه الشعيرة إلى الأبد.
مذبحة يوم التروية: الدم يغسل الكعبة
في اليوم الثامن من ذي الحجة عام 317 هـ (930 م)، وبينما كان حجاج بيت الله الحرام يطوفون ملبين بملابس الإحرام البيضاء، انقض عليهم أبو طاهر الجنابي بجيشه المكون من 900 مقاتل متمرس ومسلح. لم يرحم القرامطة شيخاً ولا امرأة. اندلعت مذبحة مروعة داخل المسجد الحرام، وقُتل أكثر من 30 ألف حاج في شوارع مكة وساحات الحرم.
وقف أبو طاهر الجنابي على باب الكعبة ممسكاً بسيفه الملطخ بالدماء، يقهقه في جنون وينشد متحدياً السماء: “أنا بالله وبالله أنا.. يخلق الخلق وأفنيهم أنا!”
ولزيادة البشاعة والتدنيس، أمر أبو طاهر جنوده بجمع آلاف الجثث وإلقائها داخل “بئر زمزم” المقدس حتى طفح الدم والماء وأُغلقت البئر تماماً!
اقتلاع الحجر الأسود: الجريمة الكبرى
بعد الانتهاء من المذبحة، أمر أبو طاهر الجنابي أحد رجاله بضرب “الحجر الأسود” بفأس ثقيلة لقلعه من مكانه. وبالفعل، تم اقتلاع الحجر العظيم وسط صرخات وبكاء من تبقى من أهل مكة. أخذ القرامطة الحجر الأسود، وجردوا الكعبة من كسوتها، وسرقوا كنوز الحرم، وعادوا بها إلى عاصمتهم في “هَجَر” (الأحساء). كان هدف أبو طاهر هو إجبار المسلمين على الحج إلى مدينته بدلاً من مكة، لكن المسلمين رفضوا تماماً، واستمروا في الحج إلى مكة والطواف حول المكان الفارغ للحجر وهم يبكون.
22 عاماً من الحزن: عودة الحجر
ظل الحجر الأسود سجيناً لدى القرامطة لمدة 22 عاماً كاملة! عرض عليهم الخلفاء العباسيون والفاطميون مبالغ طائلة تعادل ثروات دول لاسترداده، لكنهم رفضوا بعناد شديد.
لم يعد الحجر الأسود إلا في عام 339 هـ، بعد وفاة أبو طاهر الجنابي، وضعف دولة القرامطة، وتدخل الدولة الفاطمية للضغط عليهم بشدة. أحضر القرامطة الحجر إلى الكوفة، وألقوه في المسجد مع رسالة تقول: “أخذناه بأمر، ورددناه بأمر”. عاد الحجر إلى مكانه الأصلي في الكعبة، وفرح المسلمون فرحاً لم تشهد الأرض مثله، وطُويت أظلم صفحة في تاريخ الحرم المكي.
الخلاصة
في “أصل الحكاية”، نتذكر كارثة القرامطة لندرك أن التاريخ لا يخلو من الطغاة الذين ظنوا أنهم قادرون على تحدي العقائد ومحو المقدسات. سُرق الحجر، ورُدمت زمزم، ومات الحجاج، ولكن في النهاية.. زالت دولة القرامطة ولم يبقَ منها سوى اللعنات، وبقيت الكعبة المشرفة شامخة يطوف حولها الملايين حتى يومنا هذا، كدليل قاطع على أن للبيت رباً يحميه.